أعلنت وزارة أوقاف النظام المصري انتهاءها من إعداد خطة للدعوة الإسلامية في البلاد، وموضوعات خطب الجمعة لمدة خمس سنوات مقبلة، تمهيدًا لإرسالها إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي لاعتمادها قبل البدء في إلقائها بالمساجد. وقال بيان للوزارة، الخميس الماضي، إن لجانًا علمية تابعة للجنة تجديد الخطاب الديني التي أمر السيسي بتشكيلها أثناء الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الشهر الماضي، كتبت موضوعات الخطب بمشاركة نخبة أساتذة وعلماء دين ونفس واجتماع، ستعرض قريبًا على موقع الوزارة على الإنترنت لتلقي أية ملاحظات أو مقترحات بشأنها! فيما اعتبره باحثون ومفكرون كوميديا سوداء تساهم في انتشار الفكر المتطرف وخطوة غير مسبوقة في تاريخ مصر!

في البداية لا أعتقد أن مثل هذه القرارات ستكون الأخيرة في السياسية المصرية تجاه المساجد وهيئات ومحاضر العلم الشرعي في مصر فالعلاقة بين الدين «الكهنوتي» والدولة في النظام السياسي المصري ممتدة عبر التاريخ وليست وليدت اللحظة أو بعد أحداث30 يونيو، بل إن الخطاب الديني السلطوي امتدت جذوره منذ حرب1956م ومرورًا بعام 1967م، حيث شكل أحد أعمدة الحراك السياسي الشعبي الموجه في حصر الخطاب الديني في دائرة تقديس خطابات الزعامات السياسية؛ فكان الدين أداةً لتحشيد الجماهير تنتهي مهمته مع انتهاء خطابات المقامات العليا أو مع انتهاء المسرحيات السياسية والعسكرية المفتعلة لتنفيذ مشاريع على مقاس النظم الحاكمة في كل مرحله! وذلك لما للدين من أهمية بالغة في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع المصري، وفي التاريخ الحديث لمصر كان للعامل الديني (الفلكلوري) الذي تمثله هيئات دينية كالأزهر – والتي أصبحت مؤسسات تابعة لبلاط السلطات الحاكمة منذ 23يوليو من عام 1952م- ولأحزاب سياسية متطفلة على مسرح العمل السياسي وشخصيات ذات نفوذ ديني صنعت على أعين النظام؛ كان لهما دور محوري في تثبيت رؤية النظام السياسية وتقديس الأسرة الحاكمة كما حصل بعد أحداث 25يناير من عام 2011م.

استغلال الدين من أجل توطيد دعائم الحكم العسكري فتح شهية السيسي للحديث المتكرر عن تجديد الخطاب الديني الذي يتمحور حول إقصاء الفعل السياسي المستند للرؤية الإسلامية؛ وقد صرح السيسي بذلك مرارًا حتى وُصف بالرجل الروحاني كما عبرت عن ذلك (أسوشيتيد برس) وجاء استخدام وفود الطرق الصوفية لنفس الهدف فقبيل انتخاباته الرئاسية في 2014م حاول التأثير على مواقفهم من خلال دموعه وحشرجاته المعهودة، كما وسبق بيان 3 يوليو أعداد مهولة من المشاركين من أبناء الطرق الصوفية التي أعرب مشايخها عن تأييد حركة الجيش منذ مهدها، مستغلًا في ذلك معظم المناسبات الدينية للحديث المتكرر عن تجديد الخطاب الديني، ولا يغيب عن أذهاننا مشهد عزل مرسي حينما وقف على يمين السيسي كل من شيخ الأزهر أحمد الطيب وبابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تواضروس الثاني لتثبيت أركان حكمه.

لقد اعتمدت مواقف السيسي في إجراءاته ضد أسلمة المجتمع -كما أسماها- على تصريحات كبار رجال الأزهر والطرق الصوفية تحت شعار (التأييد الإلهي)! كما وصفه سعد الدين الهلالي مع محمد إبراهيم بأنهما رسولان من الله! ولم يكن تصريح الهلالي منفردًا بل تبعه تصريح لوكيل وزارة الأوقاف حينما قال: لو أمر السيسي بالقتل لوجبت طاعته! وتبعه في ذلك مفتى الجمهورية علي جمعة الذي قال: إنه مؤيد من رسول الله!

قد يحتار المتابع للمشهد المصري مما يبدوا ظاهرًا للبسطاء من الناس من انقسام حاصل في حركات الإسلام السياسي إن جاز التعبير؛ ذلك أن مشهد الدقون الطويلة التي تتبرك من فتات الطغمة الحاكمة جرأت قطاعات كبيرة من أصحاب المصالح والثقافات الهجينة تلبيس الدين وتدليسة على عامة الناس. لقد أتقنت الفئة الحاكمة في مصر وغيرها من الدول الأخرى هذا الدور وأصبح الدين الشعبي خادم للسياسة يرعاه جهلاء الفقه السياسي الشرعي ومن تربوا على أعين النظام منذ نعومة أظفارهم وهم كثير!

الافتئات على الدين وتقليص مهامه وحصره في خدمة السياسة العامة للدولة أصبح السمة العامة في عهد النظام الجديد؛ فلم يكن الفصل الأخير في هذه السياسة إحالة العشرات بل المئات من أبناء الدعوة وأحرار مصر وحفظة كتاب الله لمصادقة المفتي على إعدامهم، في صورة مقيتة يظهر فيها حجم الاستهتار بالقانون والعبث بحياة الناس؛ بل كان أحد فصولها في اليومين الماضيين تعميم قرار وزاري بكتابة الخطب المنبرية الجاهزة ولمدة خمس سنوات قادمة؛ بهدف تجديد الخطاب الديني كما زعمت الوزارة، ويبد أن المقصود من تجديد الخطاب الديني هذه المرة تحويل الداعية إلى آلة تردد ما يمليه عليه النظام بلا اجتهاد ولا إبداع، فيغدو الخطيب مجرد بوق فوق المنبر يردد دون وعي ولا فهم ما يريدونه؛ وكل ذلك من أجل إرضاء طموح السلطان عله ينعم بخمسة سنين أخرى -هي المدة المطروحة لتجديد الخطب المنبرية-؛ وكأن التجديد حسب لغة النظام يعني الجمود وتجاوز المتغيرات والمستجدات وهموم الناس المتجددة، والتكاسل عن الإطّلاع والانصراف عن القراءة والوقوف على كل ما هو جديد، هذا فضلًا عن أن الخطبة تقوم على التفاعل بين الإمام وجمهور المصلين وتأثر المصلين بحركات وتعبيرات الداعية وهو الأمر الذي يختفي تمامًا في حال تطبيق الخطبة الموحدة مما تتحول معه الخطبة إلى نشرة أخبار. كما أن الخطبة الموحدة تتناقض تمامًا مع القضايا التي تختلف المناطق والثقافات باختلافها، فهناك أفكار وثقافات مختلفة لا يصلح معها قرار الخطبة الموحدة المكتوبة.

يسابق النظام المصري الزمن في تجذير أركانه ولا أدري من الذي يقنعه بهذه الوصفات العدمية التي تعجل بزواله لا بدوامه، وعلى ما يبدو نسي النظام أن ما يلمسه المواطن من معاناة على كافة الأصعدة كفيل بقلب كل السياسات التي يراهن عليها في تغييب الحقائق على الأرض، كي الوعي لا يدوم كثيرًا فالمتصارعون على الساحة المصرية كثر، وما يقترفه النظام أزكم الأنوف وما تعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار وفتح سُنة الاقتراض من صندوق النقد الدولي مجددًا وزيادة الأسعار المتصاعد، إلا بداية عهد جديد في الطريق إلى الهزيمة إن استمر الحال على ما هو عليه!

بتقديري إذا كان الهدف من الخطبة الموحدة القضاء على الفكر المتطرف كما يدّعي النظام وأي نظم سياسية أخرى فلن يكون بهذا الأسلوب إطلاقًا، هناك طريقة واحده فقط يمكن من خلالها أن توحد كلمة الناس وتجمع شتاتها وتحقق الاستقرار والازدهار للبلد وتقضي على جذور التطرف، هي احترام إرادة الناس واختياراتها وأن تواجه الحجة بمثيلتها وأن تشاع في المجمع الثقافة السياسية الموحدة الداعمة للتحديث السياسي والتطور العلمي، فما قيمة توحيد الخطب والبلد ترزح تحت نير الانفراد والتسلط والحكم الشمولي! وهي عوامل كفيلة بزيادة الاحتقان وتفجير الأوضاع في كل لحظة. إنّ ما يفعله النظام في مصر بهذا الخصوص كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالنتيجة واحدة الفشل ولا شيء غيره.

ويمكن القول: إن قضية الخطاب الديني وتجديده لا ينبغي أن تكون قضية منفصلة عن قضايا التجديد في كافة المجالات أو كما يحلو للنظام الحاكم الخوض في تفاصيلها ضمن مقاسات تناسبه؛ يلزم ذلك إصلاح تعليمي وثقافي وإعلامي وسياسي؛ فلا يمكن تطوير الخطاب الديني بالأمر المباشر من السلطة! فكيف إذا كان النظام الحاكم هو أسّ المشكلة! لا بد من وجود مناخ عام حر، وحرية فكر حقيقية ودرجة وعي عالية وثقافة لدى المطور وأفراد التطوير، فلا يصلح شأن البلد إلا معايير التنمية والحكم الرشيد وصدق ابن خلدون حينما قال: «إن الظلم مؤذن بخراب الأمم»، وأستطيع القول: إن من يزرع الاستبداد لا يجني غير الخراب والفساد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد