يصف الكاتب والسياسي عزيز كريشان النظام الريعي في مقاله المعنون بـ«عناصر نظرية: حول النظام الريعي التونسي» على أنه الدخل الناتج عن امتلاك مورد نادر هو القرب من السلطة السياسية. وفي نهاية المطاف، فإنّ هذه السلطة السياسية هي التي يعود لها تقدير مَن يمكنه الحصول على وضع صاحب الريع – والتمتّع بامتيازاته – ومَن لا يمكنه ذلك.

هذا التوصيف يمكن اعتباره الأدق في تعريف طبيعة النظام الريعي في تونس وعلاقته بالسلطة الحاكمة، حيث أنه يتجاوز المفهوم الكلاسيكي المرتبط بالأنظمة صاحبة الثروات النادرة مثل الغاز والبترول وغيرها من الموارد التي تحتكر الدولة عائداتها لتبسط سيطرتها على عصب الاقتصاد القائم وتتحكم في توزيع الثروة. وفي الحالة التونسية، نشأ نظام ريعي امتزجت فيه الأدوار بين السلطة الحاكمة والعائلات المتنفذة لخلق نظام تتقاسم فيه المصلحة وإدارة توزيع الثروة وقنواته. هذا النظام يتراوح فيه المكسب بمدى القرب من السلطة والولاء السياسي لها.

وقد استفادت كبرى العائلات الثرية في البلاد من علاقتها بالأطراف الحاكمة بما أمكنها رسم قنوات تحكم مضبوطة لتوزيع الثروة والاستفادة القصوى من كل الفرص الممكنة لخلق الثروة واحتكارها، ويعتبر نظام الرخص من أكبر الأدوات التي استفاد منها بارونات النظام الريعي للتحكم في قنوات توزيع الثروة وهوامش ذلك على ما دونهم.

شكلت عائلات النظام الريعي حسب ما يذكره السيد عزيز كريشان أوليغارشية موغلة في تحكمها ببنية النظام الاقتصادي، حتى أنها قدرت على أن تكون هي نفسها مؤثر رئيسي ونافذ في تشكل المشهد السياسي في تونس. وبقدر ما كانت الثورة فرصة لإعادة صياغة سياسات تنموية تنهض بالاقتصاد التونسي وتحقق العدل في توزيع الثروة، فقد مثل فشل إدارة تلك المرحلة فرصة عمقت بها العائلات الثرية المتنفذة في البلاد سطوتها على محركات الاقتصاد وعززت من خلالها تحكمها في مراكز القوة السياسية وتأثيرها فيها.

الأكيد أن افتقار النخبة السياسية الحاكمة منذ الثورة لمقومات فهم وتفكيك طبيعة النظام القائم وميكانيزمات العلاقة بين القوى النافذة في البلاد ورطها في تعطيل الإصلاحات الضرورية والمطلوبة، والتي نادت الثورة منذ اللحظة الأولى بالقطع مع كل أشكال الحيف والتمييز بين التونسيين وتحقيق العدالة التنموية والتوازن في خلق الثروة. كما أنه يمكن الجزم بتورط الطبقة السياسية ما بعد الثورة في تحقيق مصالح متفاوتة استفادت منها منظومة النظام الريعي وكبرى العائلات الثرية المتحكمة في الاقتصاد التونسي.

هل هناك صراع بين الديمقراطية والنظام الريعي؟

طرح هذا السؤال يدعونا إلى البحث عن المكتسبات التي فقدها النظام الريعي من خلال ما يمكن أن تحققه الديمقراطية في بلادنا. وهو ما يدعونا بداية إلى الفصل بين مفهومنا للديمقراطية وبين الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد على اعتبار أن قبولها باللعبة الديمقراطية واحتكامها لها لا يعني بالضرورة امتثالها لموجبات تركيز الديمقراطية. فعلى مدى العشر سنوات المنقضية، تخلف فعل النخبة السياسية في البلاد عن مسارات الإصلاح والتغيير لتقع في مربعات التماهي والقبول بسلطان النظام الريعي وتحكمه في البنية الاقتصادية للبلاد. وبالعودة على ما يمكن أن يفقده النظام الريعي من مكتسبات في ظل إرساء مؤسسات اقتصادية فاعلة، فإن المراجعات الإصلاحية المطلوبة لذلك على أساس تحقيق العدل والمساواة في توزيع الثروة وانفاذ القانون والشفافية يهدد بشكل جدي قدرة هذا النظام على المسك بمفاصل إنشاء الثروة وتوزيعها، كما أن الديمقراطية الحقيقية قادرة على أخلقة العمل السياسي وإفراز نخبة سياسية حاكمة يصعب أن تتماهى مع بارونات النظام الريعي، على اعتبار المسار الإصلاحي الذي تعمل على تثبيته منظومة الأحزاب المناصرة للخيار الثورة والعاملة على أخلقة العمل السياسي، وعلى اعتبار فرض الديمقراطية لكل أشكال المراقبة والمحاسبة في ظل الشفافية ومقاومة الفساد.

لذلك، تشكل الديمقراطية بكافة آلياتها وأسلحتها القانونية والرقابية عامل تهديد للنظام الريعي بسعيها لتأسيس أرضية للفرص المتكافئة بإمكانها أن تفتح قنوات مختلفة وأكثر عدلًا لتوزيع الثروة والاستفادة منها، وهي كذلك قادرة على تغيير آليات تشكل النخبة الحاكمة لتكون خادمة للصالح العام لا نخبة وظيفية خاضعة لسلطة بارونات النظام الريعي.

وبرغم أن الديمقراطية قادرة على وضع أسس متكافئة لخلق الثروة واستفادة الجميع منها وإعادة قولبة نظام الأوليغارشية الاقتصادية حتى يستفيد هو نفسه من هذه الفرص، فإن ارتهان النظام الريعي لتصورات اقتصادية تقليدية أقل كلفة وجهد يصعب التخلي عنه لما يوفره من غياب للمنافسة، وبالتالي ضرورة التنويع في أشكال الاستثمار. النظام الريعي في تونس بخيل ولا يطرح على نفسه تطوير مصادر الثروة، وبالتالي يساهم هذا النظام في تكبيل الاقتصاد التونسي وتخلفه.

حاجتنا اليوم إلى النهوض بالوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد واستئناف مسار التجربة الديمقراطية تدعونا للبحث عن السبل السياسية الكفيلة لضمان انخراط منظومة الريع الاقتصادي في المشروع الإصلاحي الوطني، والمشاركة في تأسيس حقيقي للجمهورية الثانية، وتجاوز مخلفات تعثر ملف العدالة الانتقالية. وفي تقديري، بإمكان هذا الملف أن يبني مصالحة حقيقية شاملة تعزز ثقة رجال الأعمال وأصحاب رأس المال في الخيار الديمقراطي وأهميته لمستقبل البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد