«ما عاد يكفي أن نثور، يجب أولًا أن نخلق الإنسان الذي يحمي الثورة»

صدقت كلمات «أحلام مستغانمي» نحن فعلًا نحتاج لمن يحمي ثوراتنا من السرقة والالتفاف عليها، لأننا لم نختر الوقوف على الحياد بل رغبنا في انتزاع حريتنا وكرامتنا بثوراتٍ شعبية، لذلك كفانا مساومات! ومداولات على القرار والمصير، ماذا تبقى في جعبة حكّام السوء ولم يفعلوه؟! يظنون بأنّ السياسة ستواري سوأتهم! وتحاول أن تصورهم لنا على أنّهم حرّاس للأمن والسلام! وأنّهم أصحاب المقامات والفخامات! بل هيهات هيهات، حديثنا يطول حتّى أنّه دون إحم ولا دستور – عن الأنظمة العربية وحلفائها – سوف نصول ونجول، ولعظم سوء صنيعها، تأخذ مكانتها في السطور! لكن لا يستوي المحمود والمذموم! إنّ في نهاية العام 2010 ومطلع 2011 انطلقت الشرارة الشعبية، مطالبة بالحرية والتغيير، شرارة عربية لا غربية، فمنْ قال إنّ العرب نيام؟! فنهضتُ العربي بمئة رجل، وإذا همّ على أمرٍ لا يرتوي ولا يتراجع، فالدماء التي سالت حَالَت بين الشعوب والحكّام! وعارٌ علينا أن نسامح قاتلنا، وأن نصالحه ونعيد تأهيله، أو أن نستسلم ونترك ما بدأناه!

هذا هو أملنا ودأبنا كأحرار – حتّى سقوط الطغاة المجرمين، على الرغم من كثرة الأعداء، الذين انقضّوا وتآمروا على الثورات العربية من الداخل والخارج، وذلك لعدة أسباب ومنها: اِنقسام صفوف القوى الثورية والمحسوبة على الثورات، وعدم امتلاكها رؤى وبرامج سياسية محددة، فضلًا عن السياق الإقليمي المعادي للديموقراطية، واِزدواجية الغرب المعتادة، كما أُدخلت المنطقة العربية بفعلِ الأنظمة الأمنية والقمعية، في حربٍ على الإرهاب الخلاق – وهو تنظيم القاعدة الذي زُرِع بين صفوف الثوار – بهدف تعطيل وإفشال الثورات!

فعندما اندلعت الثورات في العالم العربي عند نهاية العام 2010 بدءًا من تونس ثمّ مصر واليمن وليبيا وسوريا ولاحقًا السودان والجزائر، ظهرت الثورات المضادّة مُباغتةً للثورات الشعبية، وذلك بعد ما تبين أنّ ثورات الربيع العربي (الحقيقية) ستضرب مصالح الدول الحليفة ومصالح الطبقات (المسيطرة) والأخيرة تصنف من الصف الثاني في السلطة السيئة الحاكمة، وتعدّ هذه الطبقات من نفس طينة الأنظمة المستبدة، التي ثارت عليها الشعوب.

قامت عمليات الالتفاف على الثورات الشعبية بدعم بعض الدول العربية والغربية، فتارةً بشكل صوري بإزاحة رأس النظام الحاكم واستبداله بنسخة مقربة من الجهاز الحاكم وغالبًا ما يكون ضابطًا في الجيش، وتارةً يتم إرسال شخصية – مؤدلجة مدجنة – من خارج البلد، هذه الشخصية قد ولدت فيه، لكن تربتْ في أحضان الغرب، كما ويفسح المجال تارةً أخرى للشعب الثائر نفسه، كي يختار رئيسه، وما إن يباشر أعماله بعد استلام زمام الحكم والإدارة، وهي ليست فترة انتقالية، بل لوقت هدوء الشارع العربي (مظاهرات، اعتصامات واحتجاجات) حتّى ينقلب الجيش (العسكر) على الرئيس الشرعي المنتخب.

ويضاف إنّ بعض القوى المحسوبة على الثورات الشعبية، شاركت في الثورات المضادّة بالالتفاف على الثوار وعلى مركزية الثورة، خشيةً على مصالحهم ولأجل استحواذهم على مقعد في حكومة قادمة مصنّعة وهجينة!

ولا شكّ أنّ هذه الثورات المضادّة لها نشاطات تمر عبر مراحل وأبرزها:

احتضان واحتواء الثورة الشعبية (لفترة وجيزة) وعدم الذّم بها، ريثما يهدأ الشارع العربي ومعرفة من أين تؤكل الكتف، وحتّى يتم الإعداد وتهيئة الرئيس الجديد! من خلال جعل إعلام النظام القديم يقوم بتمجيد الثورة والثوار، عدا عن استضافة كوادر وممثلي الثورة للحديث عن الثورة!

كما تُسلم السلطة لأحد قطاعات الثورة حتّى يتم إفشاله بالطعن والتخوين وإغراقه بالأموال أو ربما بزجِّ النساء!

أيضًا يمكننا الحديث هنا – عن دور الإعلام المزدوج فيما يلي المرحلة الأولى: يأتي تسليط الإعلام على حوامل الثورة وقطاعاتها (تشهيرًا وزيفًا).

والأهم من كلّ ذلك هو اللجوء إلى سلاح الفوضى، بِنشر وتقوية تنظيم القاعدة (بفرعيه النصرة وداعش)، لأجل ضرب الثورات وتصفية حواملها الوطنيين الأوفياء! ومن جانبه أيضًا يصبح الشعب تحت ضغط المقايضة يا الأمن والسلام.. يا تنظيم داعش الإرهابي!

والمرحلة الأخيرة هي لزوم فرض القائد المُلهم، الزعيم المُخَلّص، الذي سيحمل أعباء الشعب ومشكلاته، هذا القائد هو أحد تقنيات الثورات المضادّة، ويجب تلميعه والتصفيق له، وتسميته بالبطل لأنّه سيقوم بمهام جسيمة!

ومما تجدر الإشارة إليه هو دورنا كأحرار وحوامل الثورات الحقيقة (من سياسيين وكّتاب وصحفيين وإعلاميين وثوار)، علينا ألّا ننسى أولوياتنا على المستوى الداخلي: كتمكين ومراقبة دور المجتمع المدني في تعزيز الهوية الوطنية والعربية، وذلك بترسيخ قيم ومبادئ الثورات الشعبية، التي قامت على أصل محاربة وطرد الاستبداد والفساد، أمّا على المستوى الخارجي: الشروع المستمر في عقد الندوات والمحاضرات الدولية، تتحدث عن أخطار الثورات المضادّة وعدم تجاهل اتفاقية سايكس بيكو – والحديث عن شتى أنواع الاحتلالات والتقسيمات الاستعمارية التي طالت العالم العربي منذ زمن، وأعتقد أنّ تجنب تلك الأخطار لا يكون إلّا بالتّمسك والحفاظ على الإرث التاريخي والديني لدى الشعوب العربية.

واستكمالًا لحديثنا هناك إشكالية تتعلق بماهية التحول الديموقراطي، وفراغ المنطقة من المؤهلين المدنيين لتولي شؤون الحكم، فمن يتصدّر الحكم هم الضباط والجنرالات، أيضًا إشكالية شكل المؤسسات التي تمثل الثورات، فهي ليست على مسارٍ واحد، فبعضها متشرذم ومعقد، وبعضها مقيد ومنطوٍ على جماعته الخاصة وهم المؤسسين، فصراع التيارات والأحزاب لا يختلف كثيرًا عن صراع الطبقات! لا سيما صراع الأسلمة والعلمنة الذي لا طائل منه، سوى المزيد من إطالة الوقت في تفاصيل وهوامش الأمور، فالعقلاء اليوم – هم منْ تحدّثوا عن طرائق ترحيل وإسقاط الأنظمة المجرمة، التي سرقت وقتلت حلم الشعوب العربية، في العيش بكرامةٍ وعدالة وحرية!

هكذا كانت تُجهض ثورات الربيع العربي، حيث تحاول الأنظمة العربية نسيان أنّ بعد كلّ محاولة إجهاض تأتي حوامل جدد وولادات مستمرة لا تقف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد