قبل عقدٍ من الزمان، وقبل انتشار الفيديو، قامت شركة هيد أون «HeadOn)» بالتسويق لمسكِّنٍ للصداع عن طريق أقدم وسائل التسويق قاطبة، ألا وهي: التكرار. وعلى الرغم من التقارير العديدة التي أفادت بعدم فاعليته في التخفيف من الصداع، فإنه لاقى رواجًا كبيرًا؛ إذ بيع ما يقارب من 6 ملايين قالبٍ في أقل من سنة. والفضل في ذلك يعودُ إلى الحملة التي اعتمدت في دعايتها التسويقية على تكرار جملة «هيد أون، ضعهُ مباشرة على جبينك».

يشير مصطلح «التكرار الفعال» –في مجال التسويق- إلى تكرار الإعلان مرة تلو الأخرى على مسمع ومرأى المُستهلك قبل أن يُدرك المغزى من ذلك الإعلان. فكلما زاد تكرارك لجملة ما، كلما رسخت في عقلك أكثر فأكثر. حتى لو كانت تلك الجملة كاذبة.

تُعرف هذه الحالة عند علماء النفس بـ«تأثير وهم الحقيقة» (illusory truth effect)، فكلما استمعت إلى شيء ما، كلما سَهُلَ على عقلك معالجته، وبالتالي يبدو ذلك الشيء وكأنه حقيقة ـ بغض النظر عن واقعه أون.

تقول ليزا فازيو، أستاذة علم النفس في جامعة فاندربيلت: «في كل مرة تتردد على أسماعنا جملة ما، يتطلب استيعابها مصادر أقل، وبالتالي يَسهُلُ على العقل معالجتها فيما بعد. وهذا يعطي الجملة شعورًا أقرب للحدس».

تتسلل المفاهيم الخاطئة إلينا من جراء «شعورنا» بأنها حقيقية، ذلك أنها تتنكر بِرداءِ الحقيقة. إن طبيعة الإنسان تميل إلى تصديق ما يسمع عوضًا عن التشكيك في صحتها. وهذا ما يُعرف في علم النفس بمبدأ «الانحياز للتأكيد».

فالإنسان بطبيعته يسلكُ سلوك العالم الساذج عند سماعه أي ادعاء، فهو يباشر البحث عن معلوماتٍ تؤكد حدسهُ الأولي (وهو الحدس الذي ذكرناه آنفًا) .

أُجريت تجربةٍ على مجموعة من المستهلكين، قيل لهم إن السترة الجلدية (ذات العلامة التجارية أ) هي الأفضل. وبعد تفقدهم لعدد من السترات الجلدية من مختلف العلامات التجارية، استغرقوا وقتًا أطول في تفقد السترة ذات (العلامة التجارية أ)، ووصفوها بأنها الأفضل!

لا عجب في أننا نقع ضحايا المفاهيم المغلوطة التي تُنشرُ على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يتجلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعية في الأزمات والكوارث العالمية، أي عندما يكون التضليل المعلوماتي سببًا في خلقِ مخاطر على الصحة العامة. مثل تصريح الرئيس الأمريكي دونالد بأن فيروس كوفيد-19 سيختفي دون حاجةٍ إلى بذل أية إجراءات وقائية، رغم الأدلة التي تشي بخلافِ ذلك. وتكراره للتصريح ذاته في مناسبات أخرى تالية.

كتب تيموثي إيغان في «نيويورك تايمز»: «إن التكرار الدائم للكذبة هو ما يجعل الحقيقة بلا معنى». فالشائعُ أن التسلُّح بالحقيقة قد يكون السبيل في مواجهة الأكاذيب، ولكن ذلك ليس كافيًا وحده. إلا أن ذلك لا ينفي وجود بعض الطرق التي تقلل من تأثير التكرار، ومن بينها الاطلاع على مصادر عدة، والاستماع إلى مختلف الآراء، والبقاء منفتح الذهن.

تشير فازيو إلى أننا نميل إلى افتراض أن الناس يقولون الحقيقة، وهذا في حد ذاته أمر جيد. إذ لا يمكننا أن نقيم علاقاتٍ مع الآخرين لو ظللنا على الدوام نتحقق مما يقولون. إلا أنه ما يزال من الصعب رصد الأخطاء والمغالطات فيما نسمعه ونراه مرارًا وتكرارًا، فهي سمة يشترك فيها جميع البشر.

خلصُت دراسة أجراها باحثون في جامعة ييل (Yale) إلى أن تأثير وهم الحقيقة لعناوين الأخبار يحدث، مع أنها لا تحظى بمصداقية كبيرة، وحتى لو كان العنوان يتعارض مع ميولك السياسية، فمن المرجح أن تجده قابلًا للتصديق بعد رؤيته عدة مرات. فالجميعُ معرضٌ للوقوع في شركِ الأكاذيب، فهو جزء من وظيفة دماغنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد