نبدأ بسم الله الرد على هذه الشبهة حيث زعم مقدم البرنامج أن قصة موسى والخضر مقتبسة في القرآن من الأساطير، ونحن بدورنا نطالبه بمصادره التي تأكد منها، لكي نرجع لها ونتأكد بدورنا.

وإن كان يقصد ما ورد في التلمود الذي ألفه حاخامات اليهود في القرنين الثالث أو الرابع عشر الميلادي أي قبل ظهور الإسلام والذي لم توجد له ترجمة حتى عام 2012 ميلادي، حيث تمت ترجمة التلمود البابلي ونشره، فكلنا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف أي لغة سوى اللغة العربية، والتي كان أميًا فيها، فكيف له أن يكون على علم بما جاء في التلمود البابلي؟

ولو كانت القصة معلومة لدى يهود آنذاك لكانوا سارعوا لاتهامه بسرقتها من كتبهم، وشككوا في صدقه حيث لا يألون جهدًا في ذلك.

أما بخصوص القصة المترجمة الواردة في كتاب التلمود كتاب اليهود المقدس، والمسماة «الوثوق بالله» فهناك تشابه لدرجة ما بين أحداثها وأحداث قصة سيدنا موسى ونبي الله الخضر عليهما السلام.

وبعد أن أثبتنا عدم معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه القصة قبل أن توحى إليه، وبالتالي عدم اقتباسها ووضعها في القرآن، فينبغي على مقدم البرنامج أن يثبت لنا وللمشاهدين عكس ذلك.

وأما القصة المترجمة فقد دارت أحداثها بين يوحنان بن ليڤي وإلياهو الملك، أي ليس بين سيدنا موسى والخضر عليهما السلام (كما ثبت في صحيح الأحاديث)، ونحن نعلم تحريف اليهود لكتابهم السماوي واختلافهم فيه، فكيف بكتاب من تأليف حاخاماتهم ولا يعده اليهود أنفسهم كتابًا سماويًا.

ننتقل الآن لأحداث القصة كما وردت في القرآن الكريم:

قال تعالى (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [سورة الكهف 65 – 66].

وكان سبب بحث سيدنا موسى عن الخضر ما ورد في حديث البخاري عن ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺩﻳﻨﺎﺭ ﻗﺎﻝ ﺃﺧﺒﺮﻧﻲ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﺟﺒﻴﺮ ﻗﺎﻝ ﻗﻠﺖ ﻻﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺇﻥ ﻧﻮﻓﺎ ﺍﻟﺒﻜﺎﻟﻲ ﻳﺰﻋﻢ ﺃﻥ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺨﻀﺮ ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﺎﺣﺐ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻛﺬﺏ ﻋﺪﻭ ﺍﻟﻠﻪ ﺣﺪﺛﻨﻲ ﺃﺑﻲ ﺑﻦ ﻛﻌﺐ ﺃﻧﻪ ﺳﻤﻊ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: «ﺇﻥ ﻣﻮﺳﻰ ﻗﺎﻡ ﺧﻄﻴﺒًﺎ ﻓﻲ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻓﺴﺌﻞ ﺃﻱ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻋﻠﻢ ﻓﻘﺎﻝ ﺃﻧﺎ ﻓﻌﺘﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﺫ ﻟﻢ ﻳﺮﺩ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﺄﻭﺣﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﺇﻥ ﻟﻲ ﻋﺒﺪًﺍ ﺑﻤﺠﻤﻊ ﺍﻟﺒﺤﺮﻳﻦ ﻫﻮ ﺃﻋﻠﻢ ﻣﻨﻚ ﻗﺎﻝ ﻣﻮﺳﻰ ﻳﺎ ﺭﺏ ﻓﻜﻴﻒ ﻟﻲ ﺑﻪ ﻗﺎﻝ ﺗﺄﺧﺬ ﻣﻌﻚ ﺣﻮﺗًﺎ ﻓﺘﺠﻌﻠﻪ ﻓﻲ ﻣﻜﺘﻞ ﻓﺤﻴﺜﻤﺎ ﻓﻘﺪﺕ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﻓﻬﻮ ﺛﻢ ﻓﺄﺧﺬ ﺣﻮﺗًﺎ ﻓﺠﻌﻠﻪ ﻓﻲ ﻣﻜﺘﻞ ﺛﻢ ﺍﻧﻄﻠﻖ ﻭﺍﻧﻄﻠﻖ ﻣﻌﻪ ﺑﻔﺘﺎﻩ ﻳﻮﺷﻊ ﺑﻦ ﻧﻮﻥ ﺣﺘﻰ ﺇﺫﺍ ﺃﺗﻴﺎ ﺍﻟﺼﺨﺮﺓ ﻭﺿﻌﺎ ﺭﺀﻭﺳﻬﻤﺎ ﻓﻨﺎﻣﺎ ﻭﺍﺿﻄﺮﺏ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻜﺘﻞ ﻓﺨﺮﺝ ﻣﻨﻪ ﻓﺴﻘﻂ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻓﺎﺗﺨﺬ ﺳﺒﻴﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺳﺮﺑًﺎ، ﻭﺃﻣﺴﻚ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﺟﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻓﺼﺎﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻄﺎﻕ ﻓﻠﻤﺎ ﺍﺳﺘﻴﻘﻆ ﻧﺴﻲ ﺻﺎﺣﺒﻪ ﺃﻥ ﻳﺨﺒﺮﻩ ﺑﺎﻟﺤﻮﺕ ﻓﺎﻧﻄﻠﻘﺎ ﺑﻘﻴﺔ ﻳﻮﻣﻬﻤﺎ ﻭﻟﻴﻠﺘﻬﻤﺎ ﺣﺘﻰ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺪ ﻗﺎﻝ ﻣﻮﺳﻰ ﻟﻔﺘﺎﻩ ﺁﺗﻨﺎ ﻏﺪﺍﺀﻧﺎ ﻟﻘﺪ ﻟﻘﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺳﻔﺮﻧﺎ ﻫﺬﺍ ﻧﺼﺒًﺎ، ﻗﺎﻝ ﻭﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﻣﻮﺳﻰ ﺍﻟﻨﺼﺐ ﺣﺘﻰ ﺟﺎﻭﺯﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻓﺘﺎﻩ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﺫ ﺃﻭﻳﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺼﺨﺮﺓ ﻓﺈﻧﻲ ﻧﺴﻴﺖ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﻭﻣﺎ ﺃﻧﺴﺎﻧﻴﻪ ﺇﻻ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺃﻥ ﺃﺫﻛﺮﻩ ﻭﺍﺗﺨﺬ ﺳﺒﻴﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻋﺠﺒًﺎ، ﻗﺎﻝ ﻓﻜﺎﻥ ﻟﻠﺤﻮﺕ ﺳﺮﺑًﺎ ﻭﻟﻤﻮﺳﻰ ﻭﻟﻔﺘﺎﻩ ﻋﺠﺒًﺎ ﻓﻘﺎﻝ ﻣﻮﺳﻰ ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﻛﻨﺎ ﻧﺒﻐﻲ ﻓﺎﺭﺗﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺁﺛﺎﺭﻫﻤﺎ ﻗﺼﺼًﺎ ﻗﺎﻝ ﺭﺟﻌﺎ ﻳﻘﺼﺎﻥ ﺁﺛﺎﺭﻫﻤﺎ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﺘﻬﻴﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺼﺨﺮﺓ ﻓﺈﺫﺍ ﺭﺟﻞ ﻣﺴﺠﻰ ﺛﻮﺑًﺎ ﻓﺴﻠﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻮﺳﻰ ﻓﻘﺎﻝ: ﺍﻟﺨﻀﺮ… الحديث».

إذن فالعبد الذي لقيه سيدنا موسى هو الخضر عليه السلام كما ثبت في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث الصحاح، وهو قول الجمهور وخالف من لا يُعتد بأمره.

أما قوله تعالى: آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا، فالرحمة في هذه الآية النبوة، وقيل النعمة.

وعلمناه من لدنا علمًا أي علم الغيب، قال ابن عطية: كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أُوحيت إليه، لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها، وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم، كما ورد في تفسير القرطبي. وفي تفسير السعدي وكان قد أُعطي من العلم ما لم يُعط موسى وإن كان موسى عليه السلام أعلم منه لأكثر الأشياء وخصوصًا في العلوم الإيمانية والأصولية، لأنه من أولي العزم من الرسل الذين فضلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل، وغير ذلك، فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة والإخبار عن مطلبه.

شروط التعلم حسب ما ورد في البرنامج:

١- «قال إنك لن تستطيع معي صبرًا».

٢- «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا».

٣- «قال ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا».

٤- «قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحدث لك منه ذكرًا» [الشرط] [الآيات 67-70].

ونقل المذيع المرتد كلام المرتد الملحد عبد الله القصيمي بخصوص هذا الشرط من كتاب له ونورد النص المقتبس هنا: (أخذ ذلك الرجل على موسى شروطًا مسكتة لحرية عقله وتفكيره ولسانه حتى الأنبياء يقبلون أن تفرض شروط على حرياتهم، على حريات تفكيرهم ومشاعرهم وعلى حريات الكلمة منهم. حتى الأنبياء يقبلون أن يفقدوا كل حرية ويفاوضون على فقدها. ألا يسأل عن أي شيء يصنعه ذلك الرجل مهما كان قبحه أو ظلمه أو جنونه) انتهى.

وهل قال أحد إن الأنبياء يتصرفون بحرية مطلقة دون كل البشر وهل خصهم الله بذلك دونًا عن كل خلقه، هم مصطفون ومكرمون ولهم مكانة في الدنيا والآخرة أعلى من جميع الخلق بلا شك، لكنهم في النهاية بشر يخضعون لله الواحد القهار، ونقول لمن يتكلم عن الحرية المطلقة هل تستطيع أنت أو غيرك أن تعيش هذه الحرية المطلقة؟ هل هناك أحد من البشر فيمن سبق أو سيأتي يمتلك هذه الحرية؟ إن كنت تستعمل فكرك جيدًا فستعلم أن الجواب لا.

فلنعد لقضيتنا، فسيدنا موسى عليه السلام إنما ذهب للخضر بأمر من الله حتى يتعلم منه ما لا يعلم، وحتى يوقن أنه مهما علم فهناك من هو أعلم منه، ولو في بعض الأمور مع تسليمه التام بأن الله أعلى وأعلم من جميع الخلق إنسهم وجانهم، إذن فهذا هو الدرس الأول، وستعلم البشرية من بعده أنه مهما بلغ علم الإنسان فعليه أن يتواضع، فهنالك من هو أعلم منه وفوق كل ذي علم عليم، والعلم المطلق هو لله وحده لا غير، والدرس الثاني للبشرية جمعاء هو أنه مهما حصل للمؤمن من شر يحسبه هو كذلك فهو خير يخبئه الله له في الدنيا والآخرة شريطة أن يصبر ويحتسب قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة 216].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد