سياسة القمع

دائمًا ما يلجأ النظام المستبد في سبيل توطيد حكمه إلى القمع والبطش بمعارضيه، حتى وإن كان رأيهم فيه الصواب، ضاربًا بكل القوانين والحريات عرض الحائط، وما ينتج من ذلك من آثار تساعد على توطيد الاستبداد المشؤوم مستغلًا حالة الخوف والرعب التي تُصيب الأسرى، ويرتكز في ذلك إلى المثل القائل «اضرب المربوط يخاف السايب»، فهو ينكل بالمعارضين أصحاب الرأي الذين يملكون رصيدًا من المجد في نفوس العامة، بغرض بث الرعب، وسلب حق الرأي من نفوس العامة؛ ولكن ما القمع؟ لغة، قمع الشخص: أبعده عما يريد وقهره، وفي السياسة: هو اضطهاد فرد أو مجموعة بهدف تقييدهم ومنعهم من المشاركة في الحياة السياسية.

وكما أن القمع يكون بغرض القضاء على المعارضة – وكتم جميع الأصوات التي تنادي بالحرية، بالإضافة إلى بث الخوف في نفوس العامة وسلب جميع حقوقهم- فإنه يُستخدم بهدف صناعة فزاعة يُخيل إلى العامة أنها تناضل من أجل حقوقهم، وخير الأمثلة على ذلك الإخوان المسلمون، الذين كانوا أداة في يد المجلس العسكري، استخدمهم بهدف الالتفاف على ثورة يناير (كانون الثاني) المجيدة؛ فقد استغل المجلس العسكري الرغبة الجامحة لدى الإخوان المسلمين في الوصول إلى السلطة، وتاريخهم الطويل مع القمع على مدى القرن الماضي، والذاكرة الضعيفة التي يملكونها وتحجب عنهم القدرة على التعلم من أخطاء الماضي، في الانقلاب على الثورة؛ فقد تقرب إليهم جمال عبد الناصر -طبقًا لمذكرات محمد نجيب- وقد كان فردًا منهم، وإبان انقلاب يوليو (تموز)، كتب أنور السادات في جريدة التحرير، تحديدًا في 19 يناير 1954 مقالًا بعنوان «نحن والإخوان» مما جاء فيه: «إن جماعة الإخوان المسلمين جماعة سامية الأهداف، نبيلة الأغراض». وفي الشهر التالي كان على غلاف الجريدة صورة تجمع عبد الناصر وصلاح سالم مع عبد الرحمن البنا أمام قبر حسن البنا، وما إن تولى الحكم حتى بدأ في القمع والتهميش، وسار على نهجه محمد أنور السادات، وتبعه حسني مبارك – ولطول فترة حكمه- فقد كان يتقرب إليهم تارة بغرض درء نفوذ الكنيسة، فإذا ما نجح في ذلك، عاد إلى قمعهم مرة أخرى.

ومؤخرًا تولى تلك المهمة المجلس العسكري؛ بغرض القضاء على الثورة وأهدافها، والعودة إلى حكم البلاد، كما كان منذ الانقلاب العسكري في يوليو 1953. فكما يخشى الوصي الخائن أن يبلغ الرعية، يخشى المجلس العسكري من أي شيء قد يلهم العوام، ويبث في نفوسهم الطمأنينة والثقة، والقدرة على استعادة حقوقهم المشروعة التي شرعها لهم الله، وفي سبيل ألا تبصر الرعية حقوقها، وتعي مسئوليتها في القضاء على الاستبداد، فإنه يلجأ إلى القمع أداة توطيد وتثبيت لحكمه الاستبدادي الواهن. وما نتج من ذلك من قتل المئات وإصابة الآلاف في مجزرة فض اعتصام رابعة والنهضة، واعتقال وسجن ما يزيد على 40 ألف شخص طبقًا لتقرير من منظمة هيومن رايتس ووتش صدر في عام 2015، وطبقًا لفريدوم هاوس «freedom house» فإن حالة القمع السياسي قد بلغت 97%، وجاءت مصر ضمن تصنيف الدول غير الحرة بعد حصولها على 22 نقطة. وفي حرية الصحافة والإعلام، فقد حلت مصر المرتبة 161 عالميًّا من أصل 180 دولة، طبقًا لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» الصادر في عام 2017.

يحكم النظام الحالي البلاد بالحديد والنار، وفي تصريح سابق للرئيس عبد الفتاح السيسي قال «يا نحكمكم يا نقتلكم»، وقد عاد ليكررها مرة أخرى في الاحتفال بمرور عام على افتتاح قناة السويس الجديدة، وهو تصريح يلخص سياسة النظام الحالي في تعامله مع الشعب وقمعه لأي صوت يغرد بالحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد