لماذا نعيد إنتاج الاستبداد ؟!

(محاولة لاكتشاف التحديات الراهنة ومعرفة الممرات الآمنة)

(1)

إن تلاشي مفهوم «الإنسان الذي له حق البناء والرأي والاعتراض وأن يمتلك فأسًا يقتلع به عشبًا ضارًا ويهدم وثنًا سياسيًا وحرفة تمنع الذل والهوان عنه» هو ما كون تصورات تبرر السوط أن يرتفع على ظهور الأبرياء وهو ما عمق أيضًا حالة الشلل والوهم العام.

لم يعمق في تاريخ وحاضر العرب والمسلمين مفهوم (الفأس) عوضًا عن (السوط) الذي أثمر (اليأس) .

إنه وبفضل تعاقب حكومات غير شرعية على مدى قرون في البلاد العربية والإسلامية غاب «مفهوم الأمان المجتمعي» القائم على سيادة القانون والعدل وساد «مفهوم الأمن» رهبة من بطش و(سوط) سلطة مطلقة و«السلطة المطلقة مفسدة مطلقة».

(٢)

المأزق المهين والتعس تجلى في غياب «مفهوم الحكم الصالح أي الحكم الرشيد الذي توافق الناس عليه من غير إكراه».

إن الديمقراطية تحرر المجتمع من سطوة الكبت والقهر التي يتم غرسها ورعايتها في البلاد العربية.

إن إقفار الإنسان الممنهج ومحاربة ملكاته وحق التعبير هو الذي أفضى إلى ما نراه من ثورات اليوم.

لم تدرك الشعوب العربية أن استرداد أراضيهم المسلوبة، لا تبدأ بشعارات المناكفة مع المحتل كما سوق ذلك السياسي وأعانه عليه القومي والديني، بل إن استرجاع الأراضي المحتلة يسبقه استعادة القرار الداخلي.

(٣)

لم يكرس الديني مفهوم «المواطنة الحرة» وأن «العدل هو الصلاة»، وأن «الخروج على الحاكم ليس لتركه الصلاة ظاهرًا، وإن كان قد تركها ظاهرًا وباطنًا، والتزم بها في المواسم والمناسبات من أجل الكاميرا وكسبًا لرجال الدين الذين يمتلكون الشارع.

لم تنتشر ثقافة إسقاط الحاكم في المجتمعات العربية بل شاعت الانقلابات ولم تعلم النخب الناس أن الحاكم إذا لم يلتزم بالعدل وبالشرع العادل والقانون العام فهذا يعني خروجه عن العقد والاتفاق والبيعة، كما لم يعلم الديني أن كل «عمل جيد هو عمل صالح»، وأن «الجامعة تتمثل من أستاذ حر وطالب حر» كما يقول طه حسين وأن هذا كله من عمل السلطات قبل بناء المساجد والأفرع الأمنية .تم تدريجيًّا تشويه المفاهيم فالإمام أي الحاكم عوضًا عن رعاية الأنام وحماية مصالحهم، كما كان النبي يقول لجماهيره (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ).

ترك الفقهاء أو غالبهم هذا الجانب الذي يرعى حقوق الإنسان ووكلوا للحاكم حفظ الدين، فصار السلطان قاتلًا في الليل، وفي النهار يفتتح مساجد ومعاهد ومدارس لتعليم الدين.

فكان الدين أحد أدوات السلطات لقهر الناس يقول الإمام ابن تيمية «لا نسلّم أن يكون الإمام حافظًا للشرع، بل يجب أن تكون الأمة حافظة للشرع، وحفظ الشرع يكون بمجموع الأمة» (ابن تيمية:منهاج السنة 6/457).

«الأمة هي الحافظة للشرع وليس الإمام، إن حفظ الشرع لا يكون لواحد، إلا إذا كان نبيًا» (ابن تيمية: الفتاوى: 6/457).

ضمر الفقه، ولم يستطع تعميق المفاهيم الآتية :

الأول: أن الأمة هي ولية أمر[ها]، وأن لها السيادة والقوامة على الدولة عامة والحكومة خاصة، وأن الأمة هي الحافظة للشريعة لا الحكام.

الثاني: أن الحاكم ليس مرجع فصل النزاع، وأن الأمة هي (مرجعية) الدولة.

الثالث: أن الحاكم وكيل (لها)، وليس وكيلًا (عليها).

وأنه ليس للفقهاء منفردين أو مع السلطان، أي سلطة (خاصة بهم بموجب تخصصهم) في الإسلام، وأن القول بسلطتهم، واعتبارهم مرجعية للأمة في الفتاوى السياسية، ليس عليه أي دليل في الإسلام، بل ثبت أنه من جوالب الكوارث العظام. وأن الأمة أدرى بمصالحها من السلطان والفقهاء، وإنما تكون لهم (أي الفقهاء) سلطة إذا كانوا مستقلين عن تأثيرات الحكومة، وكانوا «عُرَفاء» يصلحون ما أفسد الناس.

الرابع: أن القاضي ليس بوكيل عن السلطان، إنما هو في القضاء مستقل عن السلطان (أصيل)، وأنما القاضي بمثابة وكيل للأمة كالسلطان، وكلاهما بمثابة وكيل عن الأمة في تنفيذ قانون الشريعة.

الخامس: أن قصر مصطلح ولي الأمر على الحكام، ما أنزل الله به من سلطان. وأنه مفضٍ إلى الاستبداد والطغيان، المحرمـين بصريح القرآن وأنه يجسد المفهوم الكسروي للحكم؛ الذي يعبر عنه بلغة السياسة اليوم (الدكتاتورية).

السادس: أن أهل الحل والعقد هم عموم أهل العلم والرأي الثاقب والاختصاص، لا خصوص الفقهاء. وأنهم يجسدون (إجماع) الأمة، أي أن (الإجماع الشعبي) شيء آخر غير (الإجماع الفقهي) الذي يلتبس على بعض الفقهاء.

السابع: أن مقتضى البيعة على الكتاب والسنة، أن يلتزم الحاكم بشرطيها: الشورى والعدل، وأن مقتضى ذلك أن يطيع أهل الحل والعقد، فهم أهل الشورى.

الثامن: أن القالب في الدولة الإسلامية الحديثة لتطبيق هذه المفاهيم هو توزيع أعباء الدولة على ثلاثة أعمدة، بدلًا من عمود واحد. أولها: السلطة النيابية. ثانيها: السلطة القضائية. ثالثها: السلطة التنفيذية.

التاسع: أن التطبيق الأقرب لمدلول (ولي الأمر) هو العدول عن قصره على (الحاكم)، وتوسيعه ليستوعب مفهوم توزيع سلطات الدولة على ثلاثة أعمدة، وأن هذا التقسيم هو الأسلوب الناجح في الفكر السياسي الحديث، لتجسيد سلطة الأمة التي نزل بها القرآن.

العاشر: أن اعتبار الحاكم أو الفقهاء هم (أولي الأمر) ليس بتفسير إنما هو تأويل فاسد، والتأويل – عمومًا – لا يصح عليه التعويل، لا سيما وثمة أكثر من عشرين إشكالًا عليه، وما عليه إشكال يبطل به الاستدلال. وأن الظاهر من القرآن أنهم أهل الرأي والتدبير. وأن القالب الأنسب لمفهوم (أولي الأمر) اليوم في الدولة الحديثة هو «صورتان»:

أ-التجمعات المدنية الأهلية أولًا .

ب- مجلس النواب المنتخب ثانيًا.

حوربت هذه التصورات وزج أصحابها في السجون وغيب صوت العدل لينمو التطرف السياسي والتكفير السياسي والديني أيضًا.

استدرج الخطاب الديني إلى خدمة السلطة المطلقة التي هي مفسدة مطلقة من خلال تصدير المشاكل للخارج وسب الغرب والتحدث عن مؤامرتهم والأفخاخ التي ينصبها الغرب.

عاش الحاكم العربي في سلام ووئام فقد آمن أن شعبه يصرخ ويسب عدوًا بعيدًا، وأن الشعب معه ضد ذلك العدو وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

(٤)

إن الصهاينة انتصروا على العرب والمسلمين في كل معاركهم بأسلحة ثلاثة:

  • مجتمع يقوم على الديمقراطية وصناديق الاقتراع واستقلال القرار السياسي.
  • ذراع عسكرية ضاربة!
  • ضعف خصومها الذين فقدوا كل معنى للحرية.

استثمر الصهاينة الدين في رعاية مجتمعهم وتقوية دولتهم، ولم يفسروا الدين سكاكين داخلية، ولم يجعلوا من الدين عائقًا لتقدم بلادهم، وتعاملوا مع الخلافات البينية بكل ذكاء، وفي المقابل تناول الحكام العرب الحياة السياسية في بلادهم مسلوقة أو مطبوخة وهضموها ثم ألقوها إفرازات غير طبيعية.

وتحول الدين من أساس وركن للاجتماع إلى أداة هدم الاجتماع والتفرق.

الممرات الآمنة

الممر الأول: استئناف الدور الإصلاحي

يرى د. حسن حنفي الفيلسوف والمفكر المصري المعروف أن الخروج من المأزق الراهن يكون من خلال (إقالة الحركة الإصلاحية من عثرتها والرجوع بها إلى جذورها عند الأفغاني).

وهذا مطلب مهم وممر آمن فقد تميزت أطروحات الاتجاه الإصلاحي بالاستيعاب والشمول ولكنها قوبلت بالحصار.

المدرسة الإصلاحية بنت رؤيتها على تفعيل الداخل والعمل عليه وبناء خلق روح الفريق الخير .

يقول الإمام جمال الدين الأفغاني «لا يمكن أن تنال أمة من الأمم سعادة ما إلا بالتئام آحادها التئام أعضاء الجسد بعضها ببعض، ولا يحصل لها علو الكلمة، وبسطة الملك إلا أن تصير مسالك حركات أفرادها كأنصاف الدائرة منتهية إلى نقطة سعادة الكل، غير خارجة عن محيط الجنسية، وأن يلاحظ كل منها منفعة الكل أولًا وبالذات، وينظر إلى منفعة نفسه ثانيًا وبالعرض، حتى يكون خير الكل كينبوع تتشعب منه جداول خيرات الآحاد. وحينئذ يجذب كل الآخر عند دفعه إياه، ويقبل عليه عند إعراضه عنه، فيرتفع الشقاق ويزول النفاق وتعتد الأخلاق، لأن كلًّا يعلم إذ ذاك أن الآخر لا يسعى إلا له ولا يدأب إلا في إيصال المنفعة إليه. وليس أن ينال الخير إلا به، فهو بمنزلة نفسه، ومنه سعادته، وبه يذود الشر، فيحبه محبة ذاته ويعامله معاملة نفسه. وإذا بلغ كل مع الآخر إلى هذه المنزلة من الالتئام، فلا يمكن أن يتحقق في الأمة فساد الأخلاق، لأن منشأ الأخلاق الرذيلة المزاحمة في المنافع، والمنازعة فيها» .

إن إحياء العمل الإصلاحي يكون من خلال التوافق على من نحن وماذا نريد وما هي القيم التي نحتكم إليها وما أولوياتنا وكيف نصل إليها.

الممر الثاني: تحرير المواطن، لأن المواطن لا يمكن أن يفقد حريته «كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».

الممر الثالث: السعي إلى استيعاب الإسلام وإعادة النظر في حقيقته وفي كل الحقائق المغايرة التي تجاوره، سواء تعلق الأمر بالمفاهيم والتصورات الغربية التي بنيت عليها الحداثة، أو بالتأصيل لمفهوم الحوار والاختلاف في سبيل بناء حداثة إسلامية تراهن على خصوصيتها.

الممر الرابع: مراجعة كل الخطابات الفلسفية ومرجعياتها المتضاربة، إذ المصدرية تشي بانحراف الفكر الإنساني والذي امتدت نتائجه إلى العصور الحديثة.

الممر الخامس: محاولة القضاء على الروح الانهزامية بتحرير العقل الإنساني من تأثير المرجعيات الغربية والمسلكية التماثلية في بناء الوعي الذاتي، سعيًا إلى الاستقلال الفكري والاختلاف والتحلل من أوهام الحداثة الغربية.

وأما التأسيس فيتحدد في نقاط:

  • تأسيس نظرية تكاملية للتراث تجاوز كل الاختلالات الآلية والموضوعاتية التي اتسمت بها الممارسات القرائية السائدة للتراث العربي، وذلك بالتعويل على رؤية مغايرة تصل التراث بمجاله التداولي.
  • بناء منهجية تطبيقية مضاهية للفكر الغربي الحديث.
  • تأسيس فلسفة أخلاقية إسلامية معاصرة.
  • بناء حداثة أخلاقية إسلامية تسعى إلى تجاوز الخطاب الحداثي الغربي الساعي إلى تدمير الإنسان.

ومن هنا يتم الاعتماد على الذات في بناء اعتباراتها الهوياتية، «فالغرب الذي ارتضى ثقافة خاصة وتراثًا خاصًّا ليس من المفترض أن نتبنى ما ارتضاه، وكما هو يبني شخصيته على أسس تناسب تراثه وتاريخه الروماني اللاتيني، فلنا أيضًا طرقنا وأساليبنا في بناء شخصيتنا، وهذا البناء يبدأ بصياغة أسس جديدة لتدوين تاريخنا الحديث والمعاصر وثقافتنا العربية الإسلامية».

إنها ممرات آمنة، من خلالها نكتشف عمق الأزمة الراهنة ونعمل على تأسيس مجتمع مسالم غير منبطح، متماسك لا يسقط في خندق الاقتتال الطائفي أو الفتنوي أو الوثنية السياسية .

ملحوظة: بعض الشواهد تعود للدكتور طه عبد الرحمن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد