تعد المرأة دعامة أساسية في المجتمع، الذي قد يكون في أرقى حالاته أو أسوأها، ولا يمكن للرجل أن يعيش بعيدًا عنها؛ لأن طبيعته تستوجب ذلك، لكن الملاحظ أن ظاهرة العنف ضد المرأة أصبحت من ضمن الإشكالات الكبيرة التي يعرفها القرن الحالي في العالم أجمع، رغم كثرة الشعارات الدولية المتعلقة بالمساواة وحقوق الإنسان. وهذا النوع من العنف أصبح غير مقبول في الظرفية الحالية، سواء قامت به الدولة أو المجتمع أو الأسرة، وحتى في العلاقات الخاصة التي تكون بين الرجل والمرأة.

ويشكل العنف ضد المرأة ظاهرة عالمية ترتبط جدورها التاريخية باختلال التوازن في المساواة بين الجنسين، كما جاء في بعض الاتفاقيات الدولية والنصوص القانونية الدولية: كل عنف قائم على أساس الجنس وموجه للمرأة لكونها امرأة، ويشمل كل فعل يلحق بها ضررًا ماديًا أو معنويًا أو هما معًا… ويتم بالإكراه وسائر أشكال الحرمان من الحرية

أسباب العنف ضد المرأة

لا يقتصر العنف على جماعة معينة أو ثقافة ما أو دولة ما، وإنما هو ظاهرة دولية لصيقة بالثقافة البشرية عبر العصور؛ إذ هو نتاج لمجموعة من الأسباب الاقتصادية والعرقية، والطبقية والدينية، والسنية، فضلًا عن التوجهات الجنسية والتقاليد.

وقد أقيمت مجموعة من الدراسات الدولية بخصوص هذه الظاهرة لأجل تحديد سببها الرئيس، لتخلص إلى أن العنف ضد المرأة ليس لسبب محدد، لكنه ينشأ من خلال أسباب متعددة كل حسب ظرفيته. والإشكال الكبير الذي يرسخ هذا النوع من الأفعال هو الترتيب السلطوي للجنسين داخل المجتمع، فالمرأة في الدول المتقدمة – إلى حدود منتصف القرن الماضي – لم تكن تستطع ولوج المناصب الكبرى داخل الدولة بسبب التمييز والتحقير الذي كانت تعانيه في العالم، وذلك بسبب هيمنة الفكر الذكوري الذي كان يرى – ولا يزال – أنها ليست قادرة على القيام بمجموعة من الأعمال بسبب طبيعتها الفيزيولوجية، كما أن التنشئة التي يتلقاها الأبناء منذ الصغر تؤثر بشكل كبير على التحولات التي تطرأ في حياتهم، فعندما يتم تربية الأبناء في ظل الفكر السلطوي، غالبًا ما تختلف (أنا) الذكر عن (أنا) الأنثى، حيث يصبح راسخًا في مخيلته أن جميع المسؤوليات على عاتقه وحده، وأن الأنثى هي فقط تابعة له، كما أن العلاقات التي تكون بين الأبوين تؤثر إما إيجابًا أو سلبًا على أفكار أبنائهم بشكل مباشر أو غير مباشر.

كما أن الدين والتقاليد والعادات غالبًا ما توظف لتبرير العنف ضد الأنثى التي تصبح صورتها أمام هذه الخرافات شيطانًا بشريًا يجب الاحتياط منه وتقويمه حسب قواعد وأعراف المجتمع الذي توجد فيه. أما على المستوى الاقتصادي فإن أغلب أشكال العنف التي توجد في العالم، خصوصًا في دول العالم الثالث، أصبحت مرتبطة بالجانب الاقتصادي، وهي تتجلى في اتجاهين: الأول هو أن الأنثى في ظل الطبقة البروليتارية دائمًا ما تواجه العنف من طرف الزوج الذي لا يمكنه موقعه الاجتماعي من توفير كل ما تحتاج له، الشيء الذي يجعله يفرغ غضبه عليها، أما في حالة ما كانت تعمل بدورها تتعرض لشكل آخر من أشكال العنف، ألا وهو العنف المعنوي الذي قد يمتد إلى عــــــــنف مادي.

أما الاتجاه الثاني فهو عندما توجد الأنثى في موقع اجتماعي برجوازي، الشيء الذي قد يجعلها تواجه العنف، لكن في ظل ظرفية مغايرة، وهي التبعية الاقتصادية، حيث تصبح أسيرة موقعها، وقد يمارس عليها جميع أنواع العنف دون وجود رد فعل.

أشكال العنف ضد المرأة

إن ظاهرة العنف ضد المرأة من أقدم الظواهر الملتصقة بالبشر حتى حدود اللحظة، وهي تتخذ أشكالًا مختلفة من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى حيث لا يمكن حصرها في شكل معين، لكن يمكن تفريعها من خلال مفهومين رئيسيين كما سبق القول، وهما العنف المادي، والعنف المعنوي.

بما أن الطبيعة الفيسيولوجية للمرأة تجعل قوتها الجسدية أقل من الرجل، فهي دائمًا ما تعاني من العنف الجسدي، وذلك من قبيل الضرب والجرح والاحتجاز، وقد يصل إلى الاغتصاب الذي يجهل معظم الناس أنه لا يستثني حتى العلاقات الزوجية، كما أن العنف المادي لا يقتصر على الجسد، بل حتى الجانب الاقتصادي، وكل ما يربط المرأة بأسرتها أو زوجها أو المعتقدات الخاطئة من وأد البنات واختيار نوع الجنين، إضافة إلى الزواج المبكر، حيث إن الفتاة قد يتم تزويجها وهي لا تزال طفلة، كما أنه يتم ختان الأنثى من خلال فصل البظر أو جزء من جهازها التناسلي في ظل طقوس لا تمثل الفكر المتحضر، إذ أقيمت في هذا الصدد دراسة إحصائية حول الختان فوجدت أن أكثر من 130 مليون أنثى يعشن اليوم مختونات ومعظمهم من إأفريقيا، كما أن النساء الأرامل والأمهات المطلقات أو العازبات يعانين في ظل المجتمعات التي ترى في الأنثى شيطانًا.

أما النوع الثاني فهو العنف المعنوي أو الرمزي، حيث يرتبط هذا النوع بكل ما من شأنه أن يؤثر على الحالة النفسية للأنثى، وهذا النوع غالبًا ما يواجه الأنثى داخل المجتمع من قبيل التحرش الجنسي الذي يتم من خلال الكلام، فتصبح الأنثى شيئًا جنسيًا مجردًا من إنسانيته؛ مما يؤدي في أغلب الحالات إلى الهجوم عليها في محاولة لاغتصابها أو هتك عرضها في حركات حيوانية لا تبث بصلة للإنسان الواعي، إضافة إلى أنها تعاني كثيرًا في ظل المجتمع إذا كانت مطلقة، فغالبًا ما يتم النظر إليها بنظرة احتقاريهة أو يتم رفضها من طرف أهلها لأنها بمثابة مرض يصيب شرفهم، وقد تكون متزوجة فتعامل بتحقير من طرف زوجها، من قبيل القول: (أيتها الحيوان أين…) أو عند العلاقة الحميمة التي في أغلب المجتمعات التي ليست لديها الثقافة الجنسية، حيث يأتي الرجل زوجته بصفة حيوانية تؤثر في مشاعرها ونفسيتها دون أن يشعرها بقيمتها لديه، كما أن المرأة دائمًا ما تعاني من سماع بعض الألفاظ الساقطة داخل المجتمع.

هل القوانين تحمي الأنثى من العنف؟

كما هو متعارف عليه دوليًا، فإن القانون مجموعة من القواعد التي تنظم سلوك الفرد داخل الجماعة وتحميه من أي تجاوزات لأطراف داخل هذا التجمع، وبالتالي فالقوانين وضعت من أجل الخروج من حالة حرب الكل ضد الكل أو بمعنى آخر حماية الضعفاء من تجاوزات الأقوياء، والقضاء على – قانون الغاب – لكن الإشكال الحالي هو أين هو موقع الأنثى في القوانين؟

لا يمكن إنكار ما وصلت إليه البشرية خاصة في بعض مجالات حقوق الإنسان إلى حدود اللحظة، لكن هذا لا يعني أن الأنثى أخدت نصيبها من حقوق الإنسان، وبتحفظ الحقوق التي تجعلها متساوية والذكر في جميع مجالات الحياة، بعيدًا عن ما يمكن اعتباره طفيليات الفكر السلبي، لا لم تنل نصيبها لأن التشريعات المحلية لكل بلد تنبني على سيرورة المجتمع وتحولاته وحاجياته، وبالتالي غالبًا ما يصعب تطبيق قوانين بعيدة كل البعد عن أعراف المجتمع وتقاليده، كما أن معظم الدول تكون ضعيفة على المستوى التعليمي؛ مما يؤثر بشكل سلبي على استيعاب الأفكار الحداثية والواقعية، وبالتالي تظل القوانين التي تضعها الدولة، والتي تكون ذات مرجعية دولية في رفوف النسيان، لتستمر معاناة الأنثى، في غياب تشريعات تحميها أو غياب فكر يقر بوجودها في خط متواز مع الذكر.

سلطة المرأة من منظور المفكر الفرنسي مشيل فوكو

إن مفهوم السلطة التقليدي في العلاقات الاجتماعية الحالية قد تغير خاصة مع المفكر الفرنسي مشيل فوكو، حيث إن مقولة – العقلانية الذكورية – أصبحت من الماضي لذلك يجب إعادة النظر في الدور الموازي الذي أصبحت تلعبه الأنثى من خلال التربية أو الكتابة أو الفن أو تدبير الشأن السياسي وغيره. كما أصبحت تمثل الأنثى جيلًا جديدًا من خلال الدور الذي تؤديه، خاصة في المجال التربوي، إذ إن طبيعتها المتميزة باللطف والتواصل تجعلها أهم مصدر يغدي الأطفال فكريًا منذ صغرهم ويعلمهم كل ما سيحتاجونه في حياتهم المستقبلية، لذلك فهي تقوم ببناء جيل جديد، وبالتالي مجتمع جديد، فإذا كانت هذه المرأة واعية بهذا الدور وعلى درجة مقبولة من الوعي فإنها تستطيع تغير المجتمع نحو الأفضل، وإن كانت العكس من ذلك فهي تطمس ملامحها تحت ما يمكن أن يُصطلح عليه إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد