كثُرَ في الآونة الأخيرة الجدلُ حول مشروعيّة تنظيم النسل ورأي الشرع فيه، وذهب البعض إلى عدم معارضته مع تعاليم الدين الإسلاميّ، وخلوِّ القرآن والأحاديث النبويّة مما يمنع هذا، بينما ذهب آخرون إلى تحريمه وإلحاق الإثم بصاحبه والداعي له والمؤيد لتنفيذه.

وكانت ردود أفعال الساخطين على القرار والرافضين له تتمحور حول عدة أسبابٍ وفتاوى قد استنبطوها من آي القرآن وأحاديث السنّة النبويّة، وشدَّدوا على موقفهم الرافض، وانتقدوا موقف الأمّة المتساهلة المتخاذلة المُتّبِعة للغرب وتعاليمهم الآثمة الضالّة اتّباع الصغير لأمه، وأكّدوا على أنَّ هذا العمل إنّما هو شرٌّ مستطير أُريد به خرابٌ ودمارٌ لأمّتنا المُستهدفة.

وجاء على رأس هذه الأدلّة – المزعومة – حديثٌ رواه النسائي وأبو داود والإمام أحمد بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم. ومنها: تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة. وهو حديث صحيح رواه الشافعي عن ابن عمر.

لكن الأخذ بلفظ الحديث دون النظر إلى ما يرنو إليه، وما أراده – صلى الله عليه وسلم – قد أوقعنا في هوّات سحيقة، وأبعدنا كل البعد عمّا يأمر به الحديث الشريف.

فأيِّ أمّة سيتباهى بها الرسول!

حالنا لا يخفى على أحد، وكل لبيبٍ يدرك حجم ما تنتجه أمتنا (الحاليّة) للعالم؛ هي لا تنتج سوى نسلًا جديدًا يأخذ ويستهلك أكثر مما يعطي وينتج، يعيش في فقر مدقع وجهل مضطرد، لا يُحسن سوى إنتاج نسخٍ مُصغّرة منه تُكمل دورة حياته البائسة وتتجرع من كأسه التي ستحتفظ بها لنسلها القادم، وكأنه الفخرُ ذاته!

ويمر بنا الكثيرون ممن يتباهون ويقولون في أنفة واعتزاز: نحن أمة المليار والنصف.

مما يدل على اعتلال البوصلة وفهمهم الأمر كمًّا لا كيفًا، فلا يهم ما هو صنيعك ومدى جودته؟، على قدر ما هو عدد أفرادك وكم مساحة الأرض التي تشغلونها؟

نعود إلى سؤالنا: ما المُراد من الحديث؟!

تأملٌ بسيطٌ في العبارات الأخيرة منه، وإعمالٌ طفيفٌ لعملية التفكير سيوصلنا للإجابة ويضع أيدينا على المراد.

وأعتقد أن مثالي الذي أسُوقه الآن يُيسّر من إيصال وجهة نظري وفهمي للأمر:

فلنتخيّل وجود رجلٍ ما يقطن فيما يُسمّى بالعشوائيّات، حيث يعيش حياة الجثث – هذا إن كان لها حياة – بجسدٍ معلول وعقلٍ عاجز وروحٍ منطفئة، ولم يورث للدنيا سوى أشباه له صغار يقترب عددهم من العشرة أو يزيد، سيُكملون دورة حياتهم بأجسادهم العليلة وبأمراضهم الموروثة والمكتسبة، ويرزحون تحت وطأة الظلم والقهر والفساد دون أن يجدوا أن هذا كله سببٌ لثورة، ولأنه لم يجد الوقت الكافي – وربما الجهد أيضًا – لتربيتهم وتعليمهم، ولم يجد المال الكافي للإنفاق على نفسه فضلًا عن الإنفاق عليهم، فإن موقفه هذا – إن تأملنا فيه وأحكمنا عقولنا – سنجده قد جنى به على نفسه وصغاره والعالم دون أن يدري أو يصله خبر.

وفي الحقيقة نحن لا نحتاج إلى إعمال عضلة التخيل بأدمغتنا؛ يكفينا النظر والتدقيق حولنا، فنجد صاحبنا هذا قد استُنسخ إلى كثيرين، وطُبع منه الملايين.

وهذا أمرٌ محزنٌ مرٌّ كحلوق الثّكالى والبائسين.

أُعيد وأكرر «فإني مباهٍ بكم الأمم»!

ولا أعلم لمَ يُستعمل هذا الحديث في التباهي بكثرتنا وازدياد نسلنا الذي معظمه فقراء معدمون، إن لم يكن في المال ففي العقل والعلم، وقلّة قليلة منه هي من شردت عن القطيع وآثرت الغناء المنفرد وحلّقت إلى سماءٍ واسعة.

وهذه النقطة تُوصلنا إلى أخرى هي أكثر عمقًا وشموليّة: ما مدى فهمنا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟

أهو فهمٌ سطحي يعتمد على معرفتنا للقراءة وكيفية نطق الأحرف وصياغة الكلمات وتكوين الجمل، أم أن الأمر أعقد ممّا نظن؟

لا شَك أن فهمنا القاصر للأشياء والأوامر – بحكم طبيعتنا البشريّة – يجعلنا ندرك المغزى والمعنى بدرجات متفاوتة متباينة اعتمادًا على مدى دقة عمل أدمغتنا ومستوياتنا العلمية والثقافيّة، وهو إدراك ليس بالضرورة إدراكّ مُطلق، لكنّه في أحسنِ حالاته، يقترب منه.

ولأن الاقتراب من الحقِّ أحقُّ من النظر إليه بريبةٍ وخوفٍ من مكان قصيٍّ، والعدول عن الباطل أسلمُ من التمادي فيه والرُزُوحِ تحته، فمُحتَّمٌ علينا الفهم والنظر بعين العقل مع الأخذ بالأحوال والظُّروف المحيطة بنا.

لذا فلنباهِ العالم بكثرتنا، بعد أن نكون إضافة وليس عبئًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد