الزمان: 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010

المكان : مدينة سيدى بوزيد، تونس.

المشهد الأول والأخير:

يخرج الشاب العشريني «طارق الطيب محمد البوعزيزى» متجهًا لسوق البلدة حاملًا بضاعته من الخضروات والفاكهة؛ مصدر رزقه الوحيد الذي يعول من خلاله أسرته ذات التسعة أفراد، يسير الفتى مخترقًا أزقة البلدة، جارًا عربته، وقد أوشك على الوصول، تقف الشرطية الأربعينية «فايدة الحمدي» على مدخل السوق؛ لتلمح «البوعزيزي» قادمًا، فتناديه، يهرع إليها «محمد»؛ ليدور بينهما جدال قصير، أعقبته صفعة نزلت على خد الفتى، وروحه.

صفعة كانت تبعاتها الأكثر كلفة، ولم يعد «الشرق الأوسط» كما كان قبلها أبدًا!

ما يقرب من ستة أعوام مرت على حراك الجماهير العربية؛ رغبة في التغيير، تعثر قطار الثورة، وطاح يمينًا ويسارًا، واختلطت الأمور، وعادت إلى بداياتها، ولكن بعد أن سحق القطار أنظمة حكمت لعقود.

عادت جمهورية الخوف أقوى مما كانت، رغم أنف الثوار، وركن الحالمون إلى السكون أو إلى السجون.

شهد الجميع بعد سقوط الثورة في مصر مراحل إعادة بناء الدولة القديمة في ثوبها الجديد القديم، واستبدال بجنرال آخر أحدث سنًا، وباستكمال النظام السياسي المصري لبنيته السياسية كاملة، ومرور ما يزيد على العامين، ظهرت جلية ملامح رئيسة، ونقاط لافتة، كانت الأبرز في عملية إعادة تدوير جرت سريعًا، أنقذت نظامًا بأكمله، وأعطته عمرًا جديدًا، بعد أن أوشك على الاحتضار.

عن جمهورية الخوف وأبرز ملامحها بعد عامين:

1: صناعة الصنم وترسيخ الهالة الزائفة

لطالما كانت هالة رجل النظام الأول، وصورته «الكاريزمية»، ركنًا رئيسًا لجمهوريات الخوف في العالم الثالث، لا يعنى التنازل عنها بأية حال من الأحوال، إلا سقوط النظام بأكمله، كما حدث مع الرئيس الأسبق «محمد مرسي»، وعملية الاغتيال المعنوي الممنهجة التي تعرض لها يوميًا طوال عام حكمه، عبر فضاء الإعلام. فمن «بطل الحرب والسلام» إلى «صاحب الضربة الجوية الأولى»، تظل دائمًا وأبدا صناعة الصنم، وهالة القائد، من أهم عوامل توطيد «الديكتاتوريات» في الدول النامية، وجماهيرها النائمة.                                                                   بسقوط الرئيس مرسي ونظامه، تسابق أقطاب الإعلام، وأكثرهم ثقلًا

وتأثيرًا إلى ترسيخ هالة القائد المنقذ في عقول الجماهير المستعدة من الأساس لقبول تلك الصورة، بعد شحن سبقها لمدة عام كامل، ذاقت فيه الأمرين، ومن الجدير بالذكر أن شعبية الرئيس الحالي قد بلغت إبان مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 مستوى لا يستطيع أن ينكره أحد.

بتضخيم هالة القائد المنقذ أكثر مما يحتملة الواقع، ارتكب الإعلام المصري خطأ فادحًا؛ إذ سرعان ما ظهرت الهوة بين الزعامة المفترضة التي كان يروج لها الإعلام، وبين شخص الرجل، وقدرته الحقيقية على إدارة الأمور في وقت بالغ الخطورة، تمر به الأمة بأسرها، ولكن كان قد انتهى كل شيء، والآن، وبعد مرور عامين ونيف، تداعت شعبية الرئيس الحالي، التي كان قد ظفر بها بعد الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013، وفقد الكثير من تلك الهالة التي حاول كثيرون صنعها، وإن ظل قطاع ما إلى الآن ينظر للرجل كما كان ينظر له فى الثالث من يوليو (تموز) 2013.

2: أسطورة الدولة الأبوية.. الأخ الأكبر يراقبك

مع بدء ظهور الرجل، وبزيه العسكري، وشعبية الجيش المصري الجارفة بين عموم المصريين، وفي ظل المساعي الحثيثة لترسيخ هالة القائد، وصناعة صنم جديد، كما ذكرنا آنفا أغرت الشعبية العارمة حينها أركان النظام المعاد تدويره حديثًا؛ لإعادة نموذج الدولة الأبوية، وعميدها الذي يعرف كل شيء، ويوجه كل شيء، ولا ينتظر من الجماهير أقل من الانصياع التام، والطاعة الكاملة في كل المناحي، وبامتداد الآفاق. ويأتي دور الإعلام؛ لتظهر المقارنات، وإبراز مدى التشابه بين الرجل وزعامات سابقة كانت على العين والرأس بين جموع المصريين، كـ«جمال عبد الناصر».

تداعى النموذج سريعًا بالتحام؛ الرئيس الحالي بالعمل العام، وظهور الموقف المصري من قضايا إقليمية كانت من أكبر عوامل صناعة زعامة «عبد الناصر»، كالقضية الفلسطينية، وكيفية العلاقة مع الغرب، والعلاقة بإسرائيل التي بلغت في عهده حميمية غير مسبوقة، ولم يساعد الرجل نفسة بخطاباته المرتجلة، وافتقاره الواضح لأقل القليل من مهارات الخطابة، وإثارة الجماهير، بالرغم من محاولاته التي لم ينتج عنها، إلا تصريحات «كوميدية» أثارت سخرية كثيرين.

 «أنا الكلام عندي بيعدي على فلاتر»

«صبح على مصر بجنيه»

«أنا لو أنفع اتباع هتباع»

«اسمعوا كلامي أنا بس، بس»

لتأتي الطامة الكبرى، واستفحال أزمة «سد النهضة»، وتهديد المصريين في أمنهم المائي بشكل جدي لأول مرة عبر التاريخ؛ ليظهر جليًا للجميع حجم مصر الحالي، ومكانة رجلها في إفريقيا التي لا يزال فيها من يذكر «ناصر» بالتقدير والاحترام، لينهار تمامًا حلم أركان النظام الحالي في إرساء دولة «الأخ الأكبر»، بعد أن فطنوا لركاكة المشهد و«كوميديته»، وإن ظل الإعلام المصري محافظًا على ما يتم تقديمه لأسماع مواطن الداخل المعمى عليه، فحافظ النظام إلى حد ما على صورة رجله في عيون عوام الجمهور في الداخل.

 3 : سحق أي بديل محتمل

حراك سياسى غير مسبوق شهدته مصر في الأعوام التي أعقبت «ثورة يناير» نجح الإعلام بجدارة في ربط الحراك السياسي بأعمال الفوضى؛ ليختلط في ذهن المواطن العادي مظاهرات الحرية بشغب المواطنين الشرفاء، (كما يحلو للبعض تسمية مثيرى الشغب من البلطجية المخضرمين)، وصل الجمهور المصري إلى وضع من الإنهاك المزمن بعد ثلاثة أعوام ساخنة، وأصبح مستعدًا لإعطاء أي شيء؛ ليأخذ في المقابل عهدًا جديدًا من الاستقرار، حتى ظهر من يسترجع ـ متحسرًا ـ أيام «حسني مبارك» على ما كان فيها، بصعود النظام الحالي للسلطة ومعرفته يقينًا بأن الكتلة الحرجة التي كانت حجر الزاوية للثورة قد فاض بها الكيل، وأن عموم الجمهور قد خرجوا من المشهد أخيرًا، فانطلق بعد أن تاكد من أنه تم رفع الغطاء الشعبي عن جموع الثوار؛ ليجرى تجريف الحياة السياسية بكاملها على نحو غير مسبوق، حتى في عهد «حسني مبارك»، وسلفه «السادات».

والآن، وبعد مرور ما يزيد على العامين من عمر النظام، نجح فى تثبيت أقدامه أكثر وأكثر، وتداعت القوى السياسية أمامه، ولم يغن عنها تأييدها المطلق شيئًا، وتحولت أحزاب كانت في عام الحكم المدنى ـ المنقلب عليه ـ أصواتًا صارخة، ومنددة على طول الخط، إلى أحزاب «كرتونية»، تثير الرثاء والسخرية معًا؛ ليهيمن النظام على المشهد السياسي بالكامل، بعد أن خلق مناخًا لا يلوح في أفقه المنظور أي بديل يعتد به، ويفرض النظام نفسه لاعبًا وحيدًا لا يقبل، إلا بوجود ممثلين ثانويين فقط؛ لإكمال الصورة، كما حدث في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

4: العصا لمن عصى

أدرك النظام أنه بالكاد نجا، وأن الثوار ـ القابع أكثرهم في السجون ـ قد أدركوا جيدًا أن رأس الدولة ليس إلا واجهة يقف وراءها شبكات واسعة من مراكز القوى، تنفذ إلى قلب كافة مؤسسات الدولة وإداراتها، وتسيطر بشكل كامل على كافة الجيوب «البيروقراطية»، والاقتصادية الرئيسة، أو التي يعتد بها، فمن ثم لم تتوان «جمهورية الخوف» لحظة منذ أن أخذت زمام المبادرة مرة أخرى بعد الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013 في سحق كل من رأته يشكل تهديدًا، ولو بشكل طفيف، على إعادة ترسيخ وجودها مرة أخرى، وتحت المظلة الفضفافة للحرب على الإرهاب.

رأينا شباب ثورة يناير، ووجوهها، يزج بهم إلى غياهب السجون، ومعهم، ولا ريب، عشرات الآلاف من أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين»، التي كان لها النصيب الأكبر من حصة القمع؛ بحكم كونها التهديد الأعمق، والأكثر جدية، وتنظيمًا.

أرقام مفجعة عن أعداد المعتقلين والمختفين قسريًا، وأعداد حالات التعذيب توضح ـ بلا جدال ـ كيف أن المعادلة صفرية، من وجهة نظر النظام، وأن العصا ستطول من عصى كائنًا من كان، فطالت حتى غير المصريين، وأعني الفتى الإيطالي «جوليو ريجيني»، وامتدت إلى داخل نقابة الصحفيين في حدث غير مسبوق.

عامان ونيف مروا على خروج النظام الحالي إلى النور، وفي ظل هيمنة كاملة على الحياة السياسية برمتها، حيث لا صوت يعلو فوق صوت جمهورية الخوف، ورجلها، وخلال مناخ سياسي مسدود الأفق لا تظهر فيه أدنى بادرة لانفراجة ما، لا يستطيع أن يجزم أحد ماذا يحمل المستقبل لهذا النظام، وهل العصا كافية لضمان استمراره، وكبح جماح الجميع، أم أن الحالة الاقتصادية التي تزداد تدهورًا، وقلة حيلة الرجل التي ظهرت مع الأحداث المتلاحقة جلية للجميع، قد تدفع نحو مستقبل أقل قتامة، يحلم به الكثير؟

إننا ندرك أنه ما من أحد يمسك بزمام السلطة، وهو ينتوى التخلي عنها

إن السلطة ليست وسيلة، بل غاية

فالمرء لا يقيم حكمًا استبداديًا لحماية الثورة

وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي

إن الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد

والهدف من التعذيب هو التعذيب

وغاية السلطة هي السلطة

جورج أورويل «1984»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخوف
عرض التعليقات
تحميل المزيد