في كتابه «النظام القوي والدولة الضعيفة» يقول سامر سليمان: «الهدف الأساسي لكل نظام هو البقاء في الحكم، وفي حالة النظم الاستبدادية يكون ذلك عبر وسيلتين، السيطرة على عقول وأجساد المواطنين من ناحية، وتحقيق تنمية اقتصادية تعطي شرعية للنظام السياسي من جهة أخرى».

 وذلك بالفعل ما يطبقه النظام فهو يطلق الإعلام للتمجيد في صورته ليل نهار والداخلية بسجن من يطالب بأدنى حقوقه – كما في حالة الأطباء الذين تم القبض عليهم بسبب تحدثهم عن نقص الأدوات الصحية بالمستشفيات لمواجهة فيروس كورونا – ويتم تجاهل كل المشكلات التى تتجه بالدولة ناحية الهاوية ويتم تصوير بناء الكباري والطرق الجديدة، وحتي مشاريع مثل قناة السويس الجديدة التي كلفت خزينة الدولة 32 مليار جنيه – بجانب تكلفة إنشائها – على أنها نهضة اقتصادية.

خلال ست سنوات من حكم السيسي ارتفع إجمالي الدين العام المحلي إلى 4.108 تريليونات جنيه (246 مليار دولار) بما يعادل 78.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2018. بينما ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى 12.6 مليار دولار، وبذلك يكون ارتفع الدين الخارجي في عهد السيسي من 46 مليار في 2014 إلى 112.6 في 2020 بمعدل زيادة 145٪. الأمر الذي يؤدي إلى سيطرة أقساط القروض والفوائد على ما يقرب من نصف ميزانية العام الحالي وانخفاض ميزانية التعليم والصحة مجتمعتين.

 وتراجع ترتيب مصر في مؤشر سيادة القانون إلى المركز 125 من أصل 128 دولة توازيا مع ارتفاع أحكام الإعدام إلى 3 آلاف حالة وما يقرب من 60 ألفًا سجين سياسي، والاختفاء القسري إلى ما يزيد عن 1800 حالة اختفاء حتى أغسطس (آب) 2019. وتراجع مصر في مؤشر الفساد لتصبح في الترتيب 106.

 وتنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين لصالح المملكة السعودية والتفريط في حقوق مصر المائية، وعدم التعامل مع ملف سد النهضة بأدنى جدية تليق بخطورة الملف وتأثيراته السيئة على مصر.

وحتى شبكة الطرق التي يعتبرها الإعلام من إنجازات الرئيس انهارت تحت تأثير السيول الأخيرة، ولا زالت مصر ضمن الدول التي تملك شبكة طرق سيئة. وبعد ست سنوات من محاربة الإرهاب في سيناء، وإطلاق عمليات حق الشهيد والعملية الشاملة لم يتم القضاء عليه، ولكن تم تهجير حوالي 20 ألف شخص من أهالي سيناء وتدمير 3600 بناية في حرب يدفع ثمنها الأهالي.

لا يمكن تناول فترة حكم السيسي ونتائجها بمعزل عن الحتمية العسكرية التي وضعته على مقاليد الحكم بعد انقلاب 2013 ورعاية السيسي لمصالح ما أسماه الباحثون «جمهورية الضباط» حيث ينطوي جوهرها على مئات عدة من ضباط القوات المسلحة المتقاعدين الذين يحتلون مناصب رؤساء أو مديرين عامين، أو أعضاء مجالس إدارات الدولة وشركات القطاع العام.

 فالسيسي يضمن بقاء إمتيازات جمهورية الضباط ونموها في مقابل ولائهم. جمهورية الضباط ليست وليدة حكم السيسي ولكن تعود جذورها إلى بداية انقلاب يوليو (تموز) 1952، حيث يقول محمد نجيب في مذاكراته «كان تعيين رشاد مهنا في منصب كبير خارج الجيش فاتحة لتعيين 18 من اللواءات وكبار الضباط في وظائف مدنية ودبلوماسية. وتولد في داخلى إحساس بأننا فتحنا بابا أمام باقي الضباط ليخرجوا منه إلى المناصب المدنية ذات النفوذ القوي والدخل الكبير، وحاولت قدر استطاعتي إغلاق هذا الباب وابتعاد الجيش عن الحياة المدنية، وعودته إلى الثكنات، وترك البلد للسياسيين. لكن كان الوقت على ما أعتقد قد فات، فقد اخترق العسكريون كل المجالات وصبغوا كل المصالح المدنية باللون الكاكي».

فبعد تولي جمال عبد الناصر الحكم – والتي تعتبر فترة حكمه نواة التحول في طبيعة الجهاز العسكري وتحوله من أداة تخدم سيادة الدولة وتخضع لمؤسساتها إلى أداة للسيطرة على الحكم وإنتاج «الدولة العسكرية» فخلال 68 عامًا تعاقب على حكم مصر ستة رؤساء؛ خمسة من العسكريين ولم تعرف مصر الحكم المدني سوى سنة واحدة 2012 – 2013 بعد ثورة يناير (كانون الثاني). فارتفع العدد حتى بلغ 900 ألف موظف في الجهاز البيروقراطي للدولة بحلول عام 1960.

تراجع المنحنى المتزايد مؤقتًا مع تولي أنور السادات إذ سعى لنزع الصبغة العسكرية عن جهاز الدولة وتأكيد سلطته على القوات المسلحة، إلى أن الجمهورية عادت إلى النمو بشدة بعد تعيين المشير محمد حسين طنطاوي وزيرا للدفاع، حيث شهدت نموا ضخما خلال موجتي الخصخصة بين أعوام 1991 – 1997 و2004 – 2009 وكذلك مع التوسع الذي لحق بسوق العقارات ونمو الاستثمار والتجارة الخارجية حيث ضاعفت جميعها من فرص توظيف متقاعدي القوات المسلحة.

 وفي يناير 2011 وجدت جمهورية الضباط نفسها في خطر يهدد بقاءها فتنحى مبارك عن الحكم مسلمًا مقاليد الحكم للمجلس العسكري الذي تحرك جاهدا لحماية مكتسباته مع ترديد شعارات حماية الثورة – شعارات فضح زيفها أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء ومجزرة بورسعيد وكشوف العذرية – وحتى التصريح بذلك علنًا، حيث تحدث اللواء محمود نصر 2012 مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية والمحاسبية وعضو المجلس العسكري، «إن القوات المسلحة ستقاتل من أجل مشروعاتها الاقتصادية، ولن تتركها لأي شخص، أو جهة، بالإضافة لزيادة معاشات القوات المسلحة بنسبة 15٪ في اليوم التالي لتنحي مبارك، وإصدار قانون يعطي القضاء العسكري الاختصاص فقط دون غيره بالفصل في جرائم الكسب غير المشروع للضباط».

وحتى بعد تولي محمد مرسي الحكم لم يسارع إلى الحد من امتيازات جمهورية الضباط، بل ساعد على نموها كسبًا لولاء القوات المسلحة حيث ازداد العدد على نحو كبير من 400 – 500 إلى ما يقرب من 4 آلاف ضابط في جهاز الدولة. حتى أصبحت المؤسسة العسكرية تلعب دور مركزي في عهد السيسي مسيطرة ومتداخلة في شتى المجالات حيث تولى متقاعدو القوات المسلحة رئاسة، أو نيابة أو عضوية مجلس إدارة في 40 من أصل 72 هيئة عامة، بجانب الاقتصاد العسكري الرسمي والإعفاءات الضريبة.

إن جمهورية الضباط واحدة من الأسباب الرئيسة في تدهور الأوضاع في مصر، انتشار الفساد، غياب دور المؤسسات الرقابية، ولا سبيل لقيام دولة مدنية مستقلة إلا بزوال جمهورية الضباط والغاء الإمتيازات العسكرية، ولذلك يقول زياد صايغ: «إن جمهورية مصر الثانية لن تولد إلا عندما تزول جمهورية الضباط عن الوجود».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد