«سلا» مدينة مغربية عريقة يعود تاريخ تأسيسها إلى حوالي القرن الأول قبل الميلاد علي يد الرومان، حيث ظلت – ولقرون طوال – من أهم الموانئ التي يعتمدون عليها في استجلاب احتياجهم من الحبوب والمتاع.

دخلت سلا الإسلام عندما فتحها القائد الفذ عقبة بن نافع عام 682، وتمكن من تحريرها من الحكم البيزنطي. سكنت سلا حينها القبائل الأمازيغية التي أسست إمارة بورغواطة على الساحل الأطلسي للمغرب، وكان بعضهم يرتد عن الإسلام، ويخلط البعض الآخر الإسلام بالوثنية والتنجيم، كما خرج منهم من يدعي النبوة، لذا ضيق الأدارسة عليهم الخناق عندما حكموا المغرب، فهجر سلا كثير منهم. ظلت المدينة تعاني الإهمال وعدم الاستقرار، حتي تمكن عبد المؤمن الموحدي – مؤسس دولة الموحدين – من توحيد شمال إفريقيا والأندلس، وكانت سلا في عهده أهم الحصون التي فتحها 1145.

خلف الموحدين بنو مرين، وأصبحت سلا في عهدهم من أهم مراكز التجارة والأعمال، ومركزًا ضخمًا لصناعة السفن الحربية؛ مما أثار أطماع الإسبان، حيث قام ألفونسو العاشر – ملك قشتالة – بالإغارة على المدينة؛ بغرض الاستيلاء عليها، وكانت سلا أول مدينة مغربية تتعرض لهجوم من الأوروبيين، لكن السلطان الماريني أبا يوسف يعقوب المنصور تمكن من استرداد المدينة، وسد الثغرة الني مكنت الإسبان من دخولها. وعلي الرغم من ذلك ظلت المدينة غير مكتملة، ولم تنل شهرتها الواسعة، إلا بعد توافد الأندلسيين المهجرين من شبه الجزيرة الأيبيرية إليها.

سلا والشتات الأندلسى

لعب تساقط الممالك الأندلسية الواحدة تلو الأخرى الدور الأبرز والأشهر فى تشكيل تاريخ مدينة سلا؛ باعتبارها مركزًا للجهاد البحري في منطقة مصب نهر بورقراق. فمنذ سقوط طليطلة – أول قاعدة إسلامية كبيرة فى الأندلس تسقط على أيدى النصارى – عام 1085، بدأ تقاطر الأندلسيون على الشمال الإفريقى وخصوصًا المغرب وتونس، ولكن بأعداد قليلة. وأخذت أعداد الوافدين تتزايد بشكل كبير عقب سقوط غرناطة – آخر الممالك الأندلسية – عام 1492، ثم بلغت ذروتها فى عهد فيليب الثالث عقب قرار النفى النهائي بدءًا من 1609.

وقد شملت عملية التهجير القسرى مسلمين ويهود أندلسيين تم تهجيرهم من إسبانيا والبرتغال بعد عمليات قتل وتعذيب ممنهجة بحق ذويهم؛ فاستوطن الكثير منهم المدن الساحلية المغربية، ومن بينها سلا، التي توافد عليها أيضًا الكثير من العناصر التركية والأوروبية؛ مما أغنى ترابها بثقافات متعددة. وقد امتزجت المشاعر داخل صدور المهجرين حتى صارت بركانًا يريد أن ينفجر فى وجه الإسبان والبرتغال الذين لم يكتفوا بطردهم من شبه الجزيرة الأيبيرية، وإنما شرعوا كذلك فى التمدد لاحتلال الثغور المغربية؛ حتى سقطت بالفعل أغلب المدن الساحلية في أيديهم، باستثناء سلا وتطوان؛ فقد أخذت التركيبة السلاوية على اختلافها تعمل على الدفاع عن نفسها، تحركهم في ذلك رغبة شديدة في إيقاف هؤلاء الطغاه الظالمين الذين يعيثون في الأرض فسادًا. وقد أزكى هذه الرغبة دعوات وفتاوى أصدرها فقهاء ومجاهدون، أبرزهم محمد العياشى الذي كان له باع طويل في قتال البرتغال، ودعا إلى الجهاد لاسترجاع الثغور السليبة من يد النصارى. ومن ثم أصبحت سلا ثغرًا من ثغور الجهاد البري والبحري في الربع الأول من القرن السابع عشر.

الأورناتشيون يسيطرون على سلا الجديدة

يتضح مما سبق أن الأندلسيين الذين تجمعوا في الضفة الشمالية لمصب نهر بورقراق في سلا القديمة قد تعايشوا مع عناصر وافدة أخرى إلى جانب سكان سلا الأصليين، وقد نصبوا المجاهد محمد العياشي زعيمًا وحاكمًا لهم.

أما الضفة الجنوبية لمصب النهر فقد استوطنها الأندلسيون الأورناتشيون، وكانوا مجموعة من الأثرياء أصحاب نفوذ وجاه قادمين من منطقة إكستريمادورا، وهم آخر من تم تهجيرهم من الأندلس؛ نظرًا لمكانتهم الخاصة، وروح المقاومة لديهم، والتي جعلتهم يصمدون أمام محاكم التفتيش، ويتمكنون حتى من حمل السلاح مقابل دفع مبالغ مالية كبيرة للسلطة الحاكمة، ومن ثم تمتعوا بما يشبه الاستقلال الذاتي عن السلطة الملكية الإسبانية.

ولما قدموا إلى المغرب سمح لهم السلطان السعدي بأن يستوطنوا الضفة الجنوبية لمصب نهر بورقراق التي سميت بسلا الجديدة أو الرباط؛ كي يعمروا المدينة، بعد أن كانت مجرد خرائب، فتمركزوا بحي القصبة، وتحصنوا بقلعتها، كما بنوا الأحياء السكنية والحمامات والأفران في الرباط، ورمموا أسوارها وحصنوها بالمدافع، فبدت سلا الجديدة كما لو كانت بلدية إسبانية، وتوافد عليها مختلف أفواج الأندلسيين من أقاليم المغرب الأخرى.

وقد لفت الأورناتشيون أنظار السلطان زيدان الناصر، فاستغل مهاراتهم الحربية في التوطيد العسكرى لسلطته، وفي حربه ضد أخيه المأمون الذي كان قد تحالف مع الإسبان، وانتهت هذه الحرب بانتصار زيدان؛ مما ساعد الأورناتشيين على توطيد مكانتهم في سلا الجديدة، وشيئًا فشيئًا اكتسبوا استقلالية عن الدولة المركزية، وكذلك عن السلطة الدينية المتمثلة في المجاهد العياشي الذي كان يسيطر على سلا القديمة.

وكان الأورناتشيون – كما في سلا القديمة – يباشرون الجهاد البحري الذي شاركهم فيه العديد من القراصنة والمنشقين الأوروبيين، وخصوصًا الهولنديون الذين تحولوا إلى الإسلام وشاركوا الأندلسيين بغضهم للإسبان، وكانت لهم دراية كبيرة بصناعة وإدارة السفن. وقد بارك السلطان عمليات الجهاد البحرى ضد الإسبان وحلفائهم، وكان 10% من حصيلة الغنائم تقتطع لصالح خزينة الدولة، وترسل إليها من خلال القائد الذي عين من قبل السلطان للإشراف على المدينة ومساعدة الأورناتشيين في إدارتها، دون أن تكون له وصاية عليهم.

وبذلك تحولت الضفتان الجنوبية (القصبة والرباط) والشمالية (سلا) لمصب نهر بورقراق تدريجيًا إلى مركز جذب للغاضبين على الإسبان والبرتغال والراغبين في الانتقام منهم، إلا أن شعور الأورناتشيون بسيادتهم علي الفصائل الأندلسية الأخري وإعلانهم أنفسهم أسيادًا وقادة عليهم أوقع العديد من الانقسامات بينهم وبين المورسكيين الوافدين من مناطق أخري.

نشأة الجمهورية

منذ العام 1614 قام الأورناتشيون بإرساء نظام حكم أو كيان سياسى بلوتوقراطى يكون الحكم فيه للأقلية من الأثرياء منهم. على رأس هذا الكيان ينتخب قائد يتم التجديد له كل سنة، يساعده مجلس استشارى (ديوان) ومقره قلعة القصبة. يرأس هذا الديوان أدميرال (أمير بحر) ينتخب أيضًا كل سنة. وقد كان إبراهيم بارغاس، وهو أندلسي أورناتشي أول زعيم لهذا الكيان السياسي، حتى العام 1624، تلاه الريس مراد، وهو هولندي دخل في الإسلام، وتولى الزعامة من 1624 حتى 1627.

منذ العام 1627 تمرد الأورناتشيون على القائد المعين من قبل السلطان للإشراف على الحكم في المدينة، وانفردوا تمامًا بالحكم؛ فتكونت في حوض نهر بورقراق جمهورية حقيقية على غرار الجمهوريات البحرية الإيطالية. وقد كانت إنجلترا أول من اعترف بهذه الجمهورية، على الرغم من العداء الواضح لها، وذلك حتى يحموا سفنهم وتجارتهم من مصير مأساوى على يد القراصنة، كما تمكن الإنجليز بذلك من تحرير الكثير من الأسرى الذين وقعوا تحت أيديهم.

استمر الأورانتشيون في السيطرة على السلطة باحتكارهم جميع مقاعد الديوان؛ مما أثار الجميع عليهم، وخلق توترات ومواجهات دامية بينهم وبين الأندلسيين من الطوائف الأخرى. ولم يكتف الأورناتشيون بالسيطرة على الضفة الجنوبية، بل حاولوا مد نفوذهم للسيطرة على سلا القديمة بالضفة الشمالية، إلا أن الأسطول الإنجليزى عرقل هذه الخطوة، فاستغل العياشى ما يحدث وضيق الخناق على الضفة الجنوبية، أما السلطان السعدي فقد وجد الفرصة سانحة لمحاصرة قلعة القصبة محاولًا إخضاع من فيها لسلطانة مرة أخرى، لكنه فشل بعد أن توحد الجميع لاستردادها. فبالرغم من الصراعات السياسية التي كادت تمزق الأندلسيين في أرضهم الجديدة، ظل الجهاد البحري قادرًا على أن يجمعهم، نظرًا للمكاسب المعنوية والمادية التي يجنونها من ورائه.

ظلت الأوضاع تتقلب بين التوتر والهدوء حتى ظهر الدلائيون في المشهد السياسي، وأصبحوا القوة الوحيدة المؤثرة في منطقة مصب بورقراق (سلا الجديدة والقديمة والقصبة)، وذلك بعد اغتيال محمد العياشي، وخضوع الأورناتشيين لسلطانهم متمثلًا في الأمير الذي عين من قبلهم، وأصبح هو الحاكم الفعلي لجمهورية بورقراق، والمتحكم في كل قراراتها. وقد اتسمت الفترة التي حكم فيها الدلائيون سلا طيلة 27 عامًا بالاستقرار السياسي، والرخاء الاقتصادى؛ مما أدى إلى ازدهار حركة الجهاد البحري مرة أخرى.

بدأت الأمور فى الاضطراب مرة أخرى بعد أن انقلب الأورناتشيون وباقى الفصائل الأندلسية على الدلائيين، وتحالفوا مع الخضر غيلان، تلميذ المجاهد العياشي، ولكنه فشل في إدارة المشهد السياسي، وإخماد الثورات المتكررة في المدن الثلاث. ولم ينته ذلك التوتر إلا بإخضاع العلويين الفلاليين لغيلان والدلائيين، ومن ثم إخضاع جمهورية بورقراق لحكم الدولة العلوية؛ فسقطت الجمهورية عام 1668، وذلك بعد أن ظلت محتفظة باستقلالها النسبي طيلة 41 عامًا.

سياسة الرعب والتأديب

كانت المقاومة البحرية التي تولاها في الغالب – مجاهدون من أصل أندلسي – وسيلة فعالة للانتقام من الاستعمار الناشئ. وكان لازدهار حركة الجهاد البحري في المحيط الأطلسي انطلاقًا من سلا، بداية من القرن السابع عشر، تأثير سلبي كبير على ملاحي أوروبا وشعوبها واقتصادها، فالهجمات لم تعد قاصرة على السفن في عرض البحر، بل تعدت ذلك حتى توغلت أحيانًا في البر. ويمكن أن ننظر لهذه العمليات على أنها رد فعل طبيعي على ما مني به الأندلسيون من قتل وتعذيب وتنصير، قبل أن يغادروا الأندلس مجبرين.

وللوقوف علي مدي قوة المجاهدين، يكفي أن نعلم أن غزواتهم قد وصلت إلى جزر أيسلندا وموانئ بريطانيا. وأنه بين سنتي 1618 – 1626 بلغ مجموع أسراهم من الدول الأجنبية حوالي 6 آلاف أسير. وكانوا أحيانًا يرفعون أعلامًا أجنبية علي بواخرهم؛ حتى يضللوا السفن التي يعترضونها، فيهاجمونها ويستولون على ركابها وأسلحتها وأمتعتها، فجن جنون أكبر الأساطيل الأوروبية حينها مما يفعلون، حتي أن بريطانيا جندت الإدميرال الشهير روبرت بلاك لمحاصرة سلا، لكنه فشل في مهمته.

بعد أن فشلت الدول الأوروبية في محاصرة حوض بورقراق، اضطرت بعضها، كفرنسا وهولندا وإنجلترا، إلى إنشاء علاقات دبلوماسية مع المجاهدين في سلا؛ بغرض النجاة من هجماتهم، وكذلك عقد اتفاقات معهم، موضوعها تحرير الأسري وحرية التجارة، كتلك التي عقدها محمد فنيش آخر حاكم لجمهورية بورقراق مع هولندا من أجل ضمان سلامة بحاريها وتجارتها.

خاتمة

لم يكن عمر جمهورية سلا طويلًا؛ فالجمهورية انتهت بعد توحيد المغرب تحت حكم العلويين، ولكن مجاهدي سلا ظلوا باقين وظلت عمليات الجهاد البحري قائمة، ولم تتوقف إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر بعدما وقع السلطان مولاي سليمان معاهدة مع الدول الأوروبية تقضي بإيقاف أنشطة القرصنة التفويضية.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن لفظة قرصنة إنما هي لفظة أوروبية لا تتفق في معناها مع ما كان يقوم به المجاهدون السلاويون وغيرهم في عرض البحر من عمليات من شأنها الوقوف بالمرصاد للدول الأوروبية التي كانت تتربص بالمغرب. فأطماع إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإنجلترا في المغرب كانت واضحة للعيان، (توجت هذه الأطماع بفرض الحماية الفرنسية والإسبانية على المغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين).

وقد قام المجاهدون في سلا بدور عظيم في التصدي للأطماع الاستعمارية الناشئة، كما أنهم شاركوا في تحرير بعض المدن المغتصبة من يد الإسبان كتحرير مدينة المهدية 1681. ومن المثير للانتباه احتضان معظم سلاطين وملوك المغرب في تلك الفترة لعمليات الجهاد البحري، حتي أنهم جعلوا من هؤلاء المجاهدين دبلوماسيين وسفراء يمثلون الدولة المغربية كعبد الله بن عائشة الذى مثل السلطان أمام ملوك فرنسا وإنجلترا. فالهوة بين هؤلاء المغامرين الشجعان وبين الحكام المسلمين لم تكن واسعة، وأهدافهم كانت لا تزال واحدة. فالذود عن الدين والوقوف في وجه الظالمين المستبدين ظل غاية مشتركة للجميع، وإن اختلفت السبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد