لبنان هي جُزءٌ عزيزٌ علينا من الشام العربي، إلا أنه لم يجد طريقًا إلى الاستقرار أبدًا، منذ نهاية الانتداب الفرنسي في العام 1934 ونيله للاستقلال، وحتى الآن.

وفي مقال سابق نُشره في «ساسه بوست»، بعنوان «من جنح للمهادنة»، ذكرت فيه أن لبنان، قد عاش فترة طويلة من الاضطرابات السياسية، لغلبة الطوائف فيه، المتناثرة والمتنافرة، التي تتعايش في رقعة جغرافية صغيرة، إذ يبلغ عدد هذه الطوائف 17 طائفة أو تزيد، فتولد صراع قوي فيما بينها، والذي كان سببًا مباشرًا في الحرب الأهلية 1975م، فقد كانت أسبابها العميقة لبنانية طائفية بحتة، ومن أشعل شرارتها الأولى هي مواقف بعض الطوائف من نشاط المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية.

صراعات هذه الطوائف صنعت أرضًا خصبةً للحرب الباردة، التي شاركت فيها نظم عربية، وتدخلت فيها إيران ثم إسرائيل لاحقًا؛ فتعددت جبهات الحرب وواجهاتها اللبنانية، حتى لم يبق فريق لبناني لم يقاتل فريقًا آخر.

تعقدت الأمور كثيرًا، حتى الطوائف اللبنانية انقسمت على نفسها، وحاربت بعضها بعضًا، الشيعة انقسموا على أنفسهم، إلى حركة أمل وحزب الله، الموارنه اقتتلوا في مواجهة دموية بين ميشيل عون وسمير جعجع.

هناك بعض المنطقية في رفض النشاط الفلسطيني من أرض لبنان، خاصة بعد صحوة اللاجئين الفلسطينين بعد كارثة وفاجعة 1967م، فهذا النشاط استباح الأراضي اللبنانية، وتحولت إلى مرتع للمخابرات الأجنبية، وتحول الصراع إلى صراع عربي– إسرائيلي، وصراع عربي– عربي، وكلاهما امتداد لأطراف النزاع الداخلي في الحرب الباردة اللبناني– اللبناني.

الشيعة الذين كانوا في حركة أمل، انخرطوا في حزب الله، ذي الملامح الثورية، بعد قيام ونجاح الثورة الإسلامية في إيران، رافضين بذلك أمل ذات الملامح اللبنانية، أما الموارنة قبل بعضهم التحالف مع إسرائيل، لكن غالبيتهم تجنب ذلك التحالف.

وفي تطوافنا التاريخي هذا، لا ننسى اتفاق الطائف الشهير سبتمبر (أيلول) 1989، والذي خلص إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتكوين مجلس وزراء، وإعادة تكوين الجيش ليكون عادلًا شاملًا لكل البلاد، ومراجعة دستور 1943م، مع الأخذ بكل المستجدات السياسية والاجتماعية والطائفية في الحسبان، وجلاء القوات غير اللبنانية. كان هذا الاتفاق يحمل كل معالم النجاح؛ لأنه اتفاق لبناني بين اللبنانيين، ومسنود عربيًّا وحائز على موافقة الأسرة الدولية. لكن تحداه العماد ميشيل بحجة أنه ليس واضحًا في موعد جلاء القوات السورية، بوصفهها قوات احتلال، ومن وقتها لم تقم له قائمة.

لقد تبين من خلال كل هذه الاضطرابات والمواجهات، منذ نهاية الانتداب الفرنسي، وحتى بداية هذه الألفية رأيان، الأول يرى أن لبنان فشل كمشروع وطن قابل للعيش والحياة فيه، والثاني يرى أن كل الصراعات التي دارت فيه حتى الآن، ليست حربًا أهلية بين اللبنانيين، بل حصيلة تآمر خارجي تنفذه قوة مرتزقة داخلية. ومن سلم بالرأي الأول يرى أن الحل في وضع لبنان تحت الوصاية الدولية، حتى تجد طريقًا للسلام، وهذا أمر غير قابل للحدوث أبدًا، ومن سلم بالرأي الثاني يرى أن على كل الأطراف اللبنانية إبعاد العناصر الأجنبية وأجندتها، والجلوس للتفاوض من أجل مصلحة الوطن، وهذا أيضًا حل غير قابل للحدوث البتة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، اندلعت مظاهرات في عدد من المدن اللبنانية بما فيها العاصمة بيروت، التي التف حولها كل الشعب، إذ أغلقت المدارس، والجامعات، والشركات التجارية الخاصة، إلى جانب عدد من الموظفين الحكوميين الحريصين على مصلحة البلد، المحترقة قلوبهم من النظام الحالي، وتجمع الجميع في ساحة الشهداء، القابعة في قلب بيروت، معلنين تمردًا بيانًا عيانًا ضد حكومة الحريري، ومحتجين عن سوء الأوضاع الاقتصادية، وبؤر الفساد التي تلاحق منسوبيها؛ فالاقتصاد اللبناني يعيش الآن تحت رحمة أعلى معدل ديون في العالم، مقارنة بمعدلات الديون الأخرى.

ولعل اللافت في احتجاجات الشارع اللبناني هذه، هو التفاف كل أطياف المجتمع وعلى اختلاف طوائفهم الدينية ومعتقداتهم وأعراقهم، وهذه المرة الأولى في تاريخ لبنان أن تتفق هذه الطوائف على أمر واحد، وفي السطور أعلاه ذكرت أن لبنان فشل كوطن يصلح للعيش فيه، بناء على الصراعات التي حدثت في الفترة السابقة، نسبة للاختلاف وكثرة الطوائف التي تعيش فيه، لكن يبدو أن هذا الرأي لم يعد صحيحًا بعد، قياسًا على الأوضاع الحالية والمشهد الماثل أمامنا، ونبوءة في طريقها للحدوث.

من أكثر عوامل اللُحمة المجتمعية التي رأيناها في هذه المظاهرات، هي أن الحس الوطني قد استيقظ في نفوس اللبنانيين، وها هم في طريقهم نحو إشراق عهد جديد لوطنهم، وقد آن آوانه كي تتحقق هذه الغاية المنشودة، يطلبونها بأرواحهم ودمائهم الغالية. لكن المجهول والخطر ماثل وما يزال قائمًا، خلف قناع هذه الاحتفائيات التي ضربت ساحة الشهداء، فالأجواء مهددة بالانفجار في أي لحظة، ويمكن أن تقود البلاد نحو كارثة جديدة، وتوقد حربًا أهلية لا نهاية لها، ولا رجعة منها، واستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، لا توحي بأن القيادة السياسية قد تتخلى عن السلطة، هكذا دون قتال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد