في عام 1946 في المؤتمر الدولي لمنظمة الصحة العالمية وقعت 61 دولة على تعريف الصحة على أنها «حالة من المعافاة الكاملة جسدِيّا ونفسيّا واجتماعيًا، لا مجرد غياب المرض وأعراضه أو العجز»، ولم يتغير هذا التعريف من وقتها!

لو ركزنا في هذا المفهوم الشامل لوجدنا أنه لا يتقصر فقط على سلامة البدن، بل أن من علامات الشخص السليم المعافى أيضًا أن يتمتع بالصحة النفسية! وأن يكون قادرًا على التفكير بوضوح، وعلى حل المشكلات، وقادرًا على الحفاظ على علاقاته وبناء علاقات جديدة، وأن يتمتع بالهدوء والراحة والطمأنينة الداخلية.

ودخولًا في موضوع المقال، يقول عالم النفس الشهير سيغموند فرويد: «إن الصحة النفسية هي القدرة على العمل والحب».

إذًا ما دمت قادرًا على أداء مهامك اليومية أيًّا كانت وكان عمرك، وعلى التواصل مع الآخرين بشكل جيد، وأن تحب نفسك وتستقبل حب الآخرين لك، فأنت بخير وصحتك النفسية على ما يرام.

لكن هناك بعض العلامات التي تدل على أنك لستُ بخير نَفسِيًا وبحاجة إلى زيارة متخصص نفسي، لكن قبل أن نذكر العلامات هناك أمور مهمة يجب أن تعرفهم وهم الفرق بين المعالج النفسي والطبيب النفسي ولمن تذهب؟

الطبيب النفسي وبالإنجليزية (psychiatrist):

هو طبيب تخرج من كلية الطب وتخصص في مجال الطب النفسي، ومهمته تشخيص الأمراض النفسية ووصف العلاج الدوائي، ومتابعة المرضى أثناء تناولهم العلاج الدوائي، وبعض الأطباء النفسيين يفضل أن يقتصر دوره فقط على وصف العلاج الدوائي ومتابعته، ويتعاون مع المعالجين النفسيين، والبعض الآخر اختار أن يتدرب على مدارس العلاج النفسي المختلفة لإدراكهم لأهمية العلاج النفسي الكلامي – وإن كان هذا المصطلح غير دال وغير دقيق برغم شيوعه لأن ما يحدث ليس مجرد كلام والأدق جلسات العلاج النفسي – أو شغفًا به فيصبح معالجًا نفسيًا أيضًا بعد خضوعه للتدريب والإشراف.

أما المعالج النفسي وبالإنجليزية:

فهو درس علم النفس الإكلينيكي وتدرب على مدارس العلاج النفسي المختلفة، ويعمل مع عملائه ومرضاه بالعلاج الكلامي مستخدمًا ما تعلمه من مدارس وتقنيات وأدوات.

لمن تذهب؟

الناس في الغالب يحتاجون للحديث، لكن مع شخص متخصص يستطيع أن يساعدهم أن يقفوا على مكمن مشاكلهم ومشاعرهم وسلوكهم ومعرفة مكامن القوة وتحسينها والضعف والتغلب عليها.

ونصيحتي أن تذهب لأي منهما بشرط أن تتوثق من أمانته وشهاداته وخبراته العملية، فإن كان طبيبًا نفسيًا فقط وليس معالجًا ورأي حاجتك للدواء فقط فسيخبرك بذلك ويكتب لك الدواء وإن رأى حاجتك للعلاج الكلامي فسيحولك لمعالج نفسي للخضوع لجسات معه، وإن ذهبت لمعالج نفسي أمين ووجد حاجتك للعلاج الدوائي إلى جانب العلاج الكلامي فسيخبرك بذلك أيضًا.

ومن المهم أن يشعر العميل بالراحة مع المعالج في البداية، ولو شعر أنه بعدم ارتياح له ولطريقته وأسلوبه فعليه أن يذهب لآخر.

ولا تقلق بشأن سرية ما تخبره به من معلومات حساسة وخاصة جدًا، اطمئن فالحفاظ على سرية معلوماتك أمر هام جدًا، ويعتبر من أهم أخلاقيات مهنة العلاج النفسي.

نعود للعلامات الدالة على حاجتك لزيارة متخصص نفسي ومنها:

– إذا لم تعد قادرًا على فعل ما تحب وكنت تفعله دائمًا بسلاسة.

– إذا لم تعد قادرًا على التواصل مع الآخرين بشكل جيد.

– إذا لم تعد قادرًا على احتمال شعور ما مثل الحزن الشديد أو الغضب الشديد.

– إذا لم تعد قادرًا على أن تسعد وتفرح بالأمور التي عادةً ما كانت تسعدك.

– إذا شعرت برغبة ملحة في إيذاء نفسك أو الآخرين.

– إذا شعرت برغبة ملحة في الاختفاء ألمًا أو حزنا أو شعورًا بالخزي.

– إذا شعرت بضعف التركيز والتذكر.

– إذا وجدت أي إدمان يؤثر على حياتك وإنتاجيتك وعلاقاتك!

هذه بعض العلامات الدالة وليست كلها، إجمالًا أقول إذا واجهتك أية مشكلة لا تستطيع حلها بمفردك أو بمساعدة أصدقائك فمن الجيد زيارة متخصص نفسي لمساعدتك.

كيف يعمل العلاج النفسي؟

ترتكز عملية العلاج النفسي على العلاقة بين المعالج وطالب العلاج أو العميل وبناء الثقة والتحالف بينهم على تحقيق أهداف العميل وبناء سلوكيات جديدة وتحسين أفكاره وتغيير مشاعره غير المرغوبة وإدارتها، في البداية يقوم المعالج النفسي بترك المساحة كاملةً للعميل في التحدث عن كل ما يضايقه وحرّكه لطلب العلاج النفسي ويسمع من التاريخ المرضي له ولأسرته إن وُجد، ويقوم المعالج في خلال جلستين لأربع بالوقوف على مكمن المشكلة التي تواجه عمليه ويبدأ معه في الحوار بشكل داعم في البيئة الآمنة التي من دوره توفيرها للعميل فيما رآه وما يراه ممكنًا فعله ووضع الأهداف معه والخطة لتحقيق هذه الأهداف.

يقوم المعالج بوضع الأهداف مع العميل وليس بمفرده وللعميل أن يفهم ويسأل متى ما أراد عن العملية العلاجية والدواء، وكيف يعمل ومدته المتوقعة ومدة الخطة العلاجية المتوقعة مبدئيًا والتي بعدها يأتي التقييم ومعرفة ما إذا كان في تحسّن أم لا.

كيف يحدث التغيير أو كيف يعمل المعالج النفسي؟

إيرفان يالوم في كتابه «هبة العلاج النفسي» واصفًا فلسفته في العلاج النفسي يقول: «كانت مهمتي هي تحديد وإزالة العوائق التي تحول دون مسار العميل، بمجرد القيام بذلك فإن المعالجة الداخلية للعميل سوف تأخذ مكانها». أي أن المعالج يقوم بمساعدة العميل على أن يرى بشكل أوضح وهنا بداية العافية، قرأت مرة «أن تعي/ ترى فهذا مؤشر على قرب نهاية المعاناة».

ينقسم الناس عادةً حسب احتياجهم وطبيعتهم وطبيعة ما يمرون به لعدة أقسام منها:

– هناك من ينفع معه ويحتاج للعلاج الدوائي فقط وبعد حوالي أسبوعين يبدأ ظهور مفعول الدواء وتحسين أداء وظيفة الغدد فيعود الشخص لطبيعته وحالته الصحيحة.

– وهناك من ينفعه نوع من المدارس السلوكية والمعرفية فيقوم المعالج بدور توعوي توجيهي ويكشف الأخطاء السلوكية أو المعرفية، ويتغير الشخص بمجرد المعرفة أو بعد التوجيه لسلوكيات جديدة أكثر صحة وفعالية.

– وهناك من يحتاج للتدخل العلاجي الدوائي والكلامي معًا بحسب ما يرى المعالج النفسي.

– وهناك المدرسة الإنسانية التي تفترض أن كل إنسان يميل بفطرته نحو الصواب والأنفع بمجرد توافر البيئة المناسبة.

– وهناك مدرسة العلاج السلوكي الجدلي التي تعمل وترتكز على مهارات أساسية وغيابها يحدث خلل للإنسان وهم اليقظة العقلية وإدارة المشاعر والعلاقات الفعالة وإدارة الأزمات.

– وهناك المدرسة التحليلية التي يسمع المعالج للعميل ويقوم بالتحليل/ التفسير، ومدارس أخرى كثيرة.

– أختم بالعلاج التكاملي: وهو دمج فنيات مدارس العلاج النفسي المختلفة في العملية العلاجية للوصول لأفضل نتيجة ممكنة للعميل وهذا النوع الأخير هو الأنفع في نظري.

والمعالج المتميز من مهاراته الأساسية اختيار المدرسة العلاجية والأداة المناسبة لكل عميل، فلا توجد طريقة واحدة تنفع لكل الأمراض أو المشكلات.

ما الذي يمكن أن يفعله المعالج النفسي؟

– أن يتفهمك ويقبلك ويقبل ما تقول ويدعمك ويعمل معك على تحقيق أهدافك.

– أن يساعدك أن تحكي قصتك بطريقة مختلفة، وعلى التعايش مع ما يمكن تغييره من التجارب المؤلمة التي هي جزء من معرّفاتنا الشخصية، ولو مُحيت لمُحي شيء منا، والتي غالبًا ما تكون من أسباب قوتنا فيما بعد.

– أن يساعدك على فهم نفسك والتعرف على مشاعرك وأفكارك وسلوكياتك.

– أن يساعدك على إدارة مشاعرك وتحسين أفكارك وسلوكياتك.

– أن يساعدك في أن ترى الأمور بشكل مختلف أو من منظور آخر.

– أن يساعدك على حل مشكلاتك وأزماتك بطرق فعالة صحية وعلى زيادة قدرتك على مواجهة الصعوبات.

– يساعدك على تطوير مهاراتك لتصبح أكثر فعالية وعلى تعلم مهارات جديدة.

– يساعدك على زيادة كفاءتك في التعامل مع الآخرين والمشكلات بشكل أفضل.

* ما الذي لا يستطيع المعالج النفسي فعله؟

– التغيير الفوري، فالتغيير الشخصي يتطلب بذل مجهود ليس بالقليل، المعالج سيكون معك خلال رحلة التغيير ولكنه لن يغيرك دون جهد منك.

– حمايتك من الأذى والأحداث المؤلمة السابقة التي مررت بها أو التي من المتوقع حدوثها، ولكن يمكن للمعالج أن يكون بجوارك داعمًا وأنت تتعامل مع الماضي بذكرياته المؤلمة ومع ما هو آت؛ مما يساعدك على أن تمر من هذه الأمواج المضطربة بسلام.

أذكر مرة في أولي جلسات علاجي النفسية وكان هناك أمر سيئ متوقع حدوثه وأول طلب طلبته من المعالج النفسي أن يساعدني على أن أمر من هذا اللآمر بسلام، قال لي سأكون معك وأنت تعبر وسأساعدك على أن قبول النتيجة أيًا كانت، وكانت بداية معرفتي الحقيقية للقبول الذي غيّر كثيرًا في ما بعد، وعلمت أن القبول هو أولى خطوات نحو الشفاء.

– تغيير الأشخاص الآخرين من حياتك، فهذا قرار شخصي بحت، ولا أحد يمكنه تغييرهم لا أنت ولا معالجك، وكل ما يمكن للمعالج فعله هو أن تتعاونا سويًا لتمتلك أدوات حماية نفسك من أي أذى تتعرض له.

– أن يختار أو يقرر بالنيابة منك، ليس من حق المعالج، ولا أي أحد أن يختار بدلًا عنك أي اختيار، لكن يمكنه أن يساعدك أن ترى بشكل أوضح وتختار بشكل سليم ويكون معك داعمًا.

من الواضح أن العلاج النفسي مفيد وهناك أمور معينة على إنجاحه أكثر مثل:

– الالتزام بالجلسات والواجبات أو المهام التي يطلبها منك المعالج.

– بعد ذلك أو معه قم ببناء الثقة مع المعالج وصدقه فأنت لم تختر أي أحد وذهبت له، لكنك تأكدت من أهليته وخبرته، والآن ثق به وكن منفتحًا وصادقًا وشاركه مشاعرك وأفكارك وتجاربك كي يتمكن من مساعدتك.

لا تتوقع نتائج سريعة، وتحل بالصبر.

الاعتراف بوجود مشكلة وقبول أنها حصلت من أهم الأمور المعينة على حل المشكلة، فإن أنت أنكرت وجود المشكلة ففيم ستبذل مجهودًا؟

قم بتحديد الأهداف، وتحديد الأولويات فيها ومراجعتها وتقييمها مع المعالج كل فترة.

قم بتعلم المهارات التي يعلمك إياها المعالج بصدر رحب، وطبّقها ما استطعت، ولا تكتفي بتعلمها نظريًا.

استمع إلي كلام المعالج عندما يطلب منك أن تمارس أنشطة جديدة مثل: ممارسة رياضة، أو عملًا تطوعي، أو أن تتعرف على أناس جدد، فإنه يطلب منك ذلك لا ليشغل وقت فراغك فقط، وإنما هي طريقة من طرق علاج الاكتئاب لخلق معنى لحياتك وجعلك قادرًا على المقاومة.

النقطة الأخيرة المهمة التي تثير الجدل دائمًا هي نقطة إدمان الأدوية، وقبل كل شيء أكتب المقال وقد مر ثمانية أشهر على أخر قرص من أقراص الأكتئاب قد تناولته.

في بعض الأمراض، كالاكتئاب الحاد، واضطراب ثنائي القطب، يلزم المصاب أن يتناول الدواء، وقد تطول المدة أو تقصر بحسب استجابتك للدواء، لكنه ليس إدمانًا، ولك أن تسأل الطبيب عن المدة المتوقعة لأخذ الدواء والتقييم بعدها لمعرفة ما إذا كنت ستستمر عليه لفترة أخرى أم ستوقفه.

ومن النصائح المجربة التي تساعد على إيقاف الدواء سريعًا بعد تعليمات الطبيب: عمل أنشطة لها تأثير حسن، كالرياضة، والأكل الصحي، والتواصل مع أصدقاء تحبهم، وغيرها من الأمور التي تعود عليك بشعور جيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد