العام 1791، تداعت الحالة الصحيّة للموسيقار «فولفغانغ أماديوس موتسارت» ما جعله يشرع في كتابة رائعته «Requiem» أو ما قد نترجمه بـ«موسيقى الموتى» والتي نُسبت إليه رُغم مباغتة الموت له في الخامس من ديسمبر من العام نفسه قبل أن ينتهي منها، ومن ثمّ أكملها «فرانز زوسماير» في العام 1792 .
لطالما كانت الموسيقى تجلّيًا من تجلّيات اللغة في سياق التواصل الإنساني، تمامًا كالرّسم. هي ترسمُ مشهدًا يحاول مؤلّف الموسيقى أن يصفه بدقّة قدر المستطاع، غير أنّه وصفٌ غير موضوعي، ذاتي تمامًا، لذا تختلف الرؤى والتصوّرات لمؤلفي الموسيقى ولو كان المُتَنَاوَلُ مَادَّةً مُعَرَّفَةً تمامًا مكتوبة كلماتها مُسبقًا مثل ترانيم «موسيقى الموتى» التي كانت عبارةً عن مجموعة من الصلوات المستخدمة في الكنائس الكاثوليكيّة.
تخيلوا معي موسيقارًا عبقريًّا كـ«موتسارت» يكتب فصل النهاية في سيمفونيّة حياته، وتخيّلوا معي مقدار الحزن والألم المعبّأ بهما موتسارت وهو يكتب، ألم المرض، وحزنُ الغياب القريب ومفارقة الحياة، والخوف، الخوف الشديد المغلّف بالرجاء في الرحمة الإلهية مما قد يصيبه بعد الموت.
ما نلاحظه هو الهدوء الحزين باعتباره خطًّا أساسيًّا لموسيقى السيمفونيّة، والذي لم يخرج عنه كثيرًا زوسماير فيما بعد، نستمع معًا إلى مقطوعة «lacrimosa» أو «النحيب» نجد متتابعة من الآلات الصوتية في خلفية الأداء ككلّ مشابهة لخطوات حاملي النعش، واحد اثنان، واحد، اثنان، ثم تتصاعد أصوات الكورال النسائيّة، التي نلاحظ علوّها على الكورال الرجالي، باعتبارها معبّرة أفضل عن النحيب والبكاء، يتداخل الأداءين الرجالي والنسائي كطبقتين من الألوان، أعلاهما نسائيّة لتضفي نعومةً ومسحةً حزينةً مُنكسرة تحملك على سحائبها وصولًا إلى كلمة «آمين» بنهاية الترنيمة. بالنهاية تشعر كأنّ المقطوعة حالة نفسية تغلّفك حزنًا وانكسارًا.

lacrimosa – Mozart

بينما على المقابل نجد «فيردي» والذي يصف نفس المشهد معتمدًا تمامًا على السوبرانو والألتو باعتبارهما أبطالًا للمشهد، الذي يبدو مسرحيًّا تمامًا، ما جعل المستمع في موضع المتلقّي أو المتفرّج على المشهد الذي يُحكى، ولا نجد حين نسمع المقطوعة هنا اندماجًا ما بيننا بوصفنا مستمعين وما بين المشهد الموسيقي بقدر ما قد نجده في مشهد «النحيب» الموسيقي الذي كتبه «موتسارت».

lacrimosa – Verdi

نجد على الجانب الآخر كتابة «موتسارت» لمقطوعة «dies irae» أو ما يُمكنُ ترجمته بـ«يوم الحنق/الغضب الشديد»، في إشارة إلى يوم الحساب ونهاية العالم، رسميّة للغاية، مجرّد تلحين لكلمات الترنيمة على الرغم من علوّ الرتم الأدائي والصوتي لها بالطبع بالمقارنة بمقطوعة «النحيب»، رتم واحد تتحرّك به المقطوعة طوال الوقت، لا صعود ولا هبوط، فقط أداء ترنيمي ملحّن بشكل بديع للغاية، ولا يستطيع عاقل أن يُنكر هذا، وذلك على الرغم من الفقر الأدائي، وكأنّ «موتسارت» كان يأبى الاقتراب أكثر من وصف المشهد، وكأنّه كان يهابه لاقتراب الموت منه كثيرًا.

dies irae – Mozart

صدمات وخبطات وتصاعد حادّ للكورال كأمواج الدمار الملازمة ليوم النهاية، هكذا بدأت مقطوعة «يوم الحنق» لـ«فيردي» قويّة منذ بدايتها، مفاجئة لأقصى حدّ، تمامًا كمجيء اليوم الأخير، تثير فيك فزعًا، تحملُ تلك المقطوعة شجاعة أكثر في الوصف امتلك فيها «فيردي» قدرة على رسم التفاصيل بدءًا من البداية القوية المفاجئة ثم مرورًا بالهدوء التدريجي الانسحابي عندما يهمس الكورال النسائي والرجالي معًا بالآتي معبّرين بطبقة الصوت الخفيضة عن اكتمال ذوبان العالم تحت وطأة الدمار الأخير:
 Quantus tremor est futurus، Quando Judex est venturus، Cuncta stricte discussurus
«رجفةٌ وزلزلة عظمى ستحدث، عندما يأتي القاضي (نلاحظ كتابة بداية Judex بالحرف الكبير للتعبير عن أنّه القاضي الحقّ المُطلق).. ليناقش كلّ شيء بصرامة» في تعبيرٍ عن الحضور الإلهي والاستعدادِ للحساب.
ثم يبدأ بعد ذلك، في رأيي، واحدٌ من أعظم المشاهد التي رسمها «فيردي» وقد تكون من أعظم المشاهد الموسيقيّة على الإطلاق، ينطلق مزمارٌ وحيدٌ ثم ثانٍ فثالثٍ فرابع، في تداخل رائع، يتصاعد الصوت بسرعة مع دخول الطبول الكبيرة في المشهد الذي يليق بدخول الملوك، ثم انفجار صوتي بأصوات الكورال الرجالي، معبّرة عن النفخ في الصور، الذي «يصدح في عالم الأموات»، فصعودٌ صوتي بالجملة الأخيرة والنهائيّة في المقطوعة «ليجمع كل الخلائق أمام العرش»، جملة موسيقيّة غير مغلقة، غير مكتملة النغم، تنتهي بها المقطوعة لتترك الآذان متعلّقة بما سيأتي بعد.

dies irae – Verdi

هنا، وكما قُلنا سابقًا، أحدثت الحالة الذاتيّة فرقًا رهيبًا في القدرة التصويريّة بين «موتسارت» و«فيردي» ما جعل تعبير «موتسارت» عن «النحيب» أكثر ملائمة بينما كان تعبيره عن «يوم الحنق/الغضب» متحفّظًا للغايةً، تحفّظًا يغلّف خوفًا، وعلى العكس منه «فيردي» الذي لم يكن يشعر فعليًا بحزن حقيقيّ وهو يكتب مقطوعة «النحيب»، بينما صوّر أيما تصويرٍ مقطوعة «يوم الحنق» بشجاعة وقوّة وإبهار يجعلك تستحضر المشهد وكأنما تراه بأم عينيْك.
إنها الموسيقى الكلاسيكيّة يا سادة، واحدة من أعظم إنتاجات البشريّة بعد الفلسفة، أو أنّها، بالفعل، تجلٍّ من تجلّيات الفلسفة.
____________________________________________________________________________________________________________
هوامش:
  • ينصح بسماع المقطوعات بشدّة لتصل الرسالة بدقة أكبر.
  • قد يكون من المناسب عمل رنين المنبّه الصباحي على بداية مشهد «النفخ في الصور» ومن ثمّ البعث، والذي يبدأ في الدقيقة «2:26» من مقطوعة «يوم الحنق» لـ«فيردي»، ما سيكون ملائمًا أكثر للاستيقاظ من النوم والذهاب إلى العمل لتلقّي الحساب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد