أنا لست أحسب بين فرسان الزمان
إن عد فرسان الزمان
لكن قلبي دومًا قلب فارس
كره المنافق والجبان
نجيب سرور.. لزوم ما يلزم

حين كنت في مرحلة الدراسة تعلمت شيئًا واحدًا من المدرسة (إذا كنت تريد أن تذهب للبيت قطعة واحدة، فلا تقل شيئًا حقيقيًا في نطاق تواجد أي متنمر سواءً كان ذلك المتنمر مدرسا أو تلميذًا).

 اندلعت ثورة الياسمين وكنت طالبًا بالإعدادية، وفوجئت بنفسي أكره بن علي؛ لأني سمعت أنه نشر المجون، وأوقف الأذان، واندهشت من زميل لي مستاءً ومرتجفًا من أن يحدث مثل ما حدث بمصر؛ لأن تلك الأشياء خروج عن أدب اللياقة ولا يرضى أحد فينا أن يُهان أبوه بتلك الطريقة الوقحة… انظر إلينا الآن من عل، فأرى كمَّ الكتاتيب التي تداولت أنا على أبوابها وكمَّ المشاجرات التي خاضها زميلي وخلصه أبوه منها بـ(تليفون)، وأرى أنه لا تعقيد قد يشوب أي سلوك إنساني أو يجعله صعب التفسير، فنحن غالبًا، أنا وزميلي، وحدات مصغرة من أبوينا ومجتمعنا وصناع قرارنا وطريقة وصولهم للنتائج التي يتخذون قراراتهم بناءً عليها، وهي غالبًا بنفس القفزة (الأدرينالينية) التي قررنا نحن بها.

 السلطة اللامحدودة التي تفرضها شمولية مجتمعاتنا، سواء على مستوى الدولة قانونيًا – وغير قانوني وحياتك – أو دينيًا على مستوى تقويض أي فردية أو أي فكر يطرح خارج السرب تجعل من الصعب التحدث بمنطقية مع شعور شبقي يفصلك عن فطرتك البشرية ويجعلك مدمنًا للسيطرة والتحكم الكامل في كيان بشري آخر.

ثورات الربيع على الجانب الآخر هي ثورات تخلخل التماسك الصلد للسلطات الدينية والعسكرية المصمتة والمعززة بتأييد أُسَري يحكم سيطرة الآباء الحكام والآباء البيولوجيين على رعاياهم، يفقدهم لحظة اعتراف الضحية بأنها مذنبة وتستحق ما تلاقيه، وأنها ممتنة لفتات سيدها السخي، وفي الأعوام السبع الماضية أصبح الشارع مليئًا بالعديد من الـ(نجيب سرور)، قلوبهم مستنكرة وألسنتهم كالرصاص ويغرقون البلاد في حالة من السخط المستمر والبذاءة والضجيج.

 تلك الثورات لا يمكن السيطرة عليها لأن غايتها لا تتقاطع أبدًا مع أحلام السيطرة والإطاحات والتصفيات، هي كابوس لكل شيء مصمم لتحديد مسار الأرواح، ألم يُصدع كل بنايات الأسمنت ونغم ٌ يقاطع فرمانات الجنرال، ليس كلامًا أدبيًا لتصبير النفس فالكل بالطبع يعي الإخفاق الواضح للثورة بروحها المجردة على اعتلاء كراسي الحكم، ولكننا بصدد شيء أهم، تغير يجرد المسدسات من رصاصاتها ويجعلها متلعثمة مضحكة تتعادل مع مسدسات المياه، ويجعل من الناس بشرًا لا مصفوفات متجانسة سهلة التوقع، ولو تم طحن عظامهم، فلن يقوموا لفرك قدم الحاكم لكي يستيقظ في الصباح التالي يحشدهم بالملايين ليحيوه.

أصبح الآن الشغل الشاغل للسلطة المصرية، وبالرغم من هويتها ذات الفجاجة العسكرية والمعاداة التامة للتيارات الإسلامية السياسية هو تقليص الحريات الفردية للمواطن، وخاصة من أصحاب الأعمار الصغيرة، يمكنك أن تستشف من خطاب أبواقهم نوع من أنواع (التهنيج) المستشري في لُب مراكز اتخاذ القرار لتلك السلطات، فالعقل الذي كان يُكبل نفسه أتوماتيكيًا بعادات وطقوس وتهيُب لكل شخص ذي سلطة أصبح الآن لا يرتدع، إلا في حالة لا مبالية قد تحفظك من ضجيجه نعم، ولكنها تحرمك كليًا من خيره وتدعيمه الكامل غير المشروط وتجبرك – عاجلًا أم أجلًا – أن تلجأ لاستقطابات منطقية لم تكن كسلطة أبوية تضطر إليهاـ ولا تدري كيفية الولوج إليها مما يضعك في موقف مهترئ ومتخبط.

الثورة انتهت بانتصار (المعاتيه) لترينا أننا نملك أسلحة لا يمكننا إلقاؤها حتى عند اليأس والدموع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد