من خلال نظرتنا إلى العالم من حولنا نلاحظ التطور التكنولوجي، حيث تنشر آلاف الدراسات والأبحاث يوميًّا في جميع المجالات العلمية والحياتية عمومًا، ولم لا! والبحث العلمي يعد من الأسباب الرئيسية لنهضة أي بلد، في عام 2014 أنفقت إسرائيل أكبر ميزانية في العالم على البحث العلمي حيث قامت بإنفاق 4.2% من الميزانية الكلية، وهو مايعادل 11 مليار دولار.

وقامت بنشر 10.492 ورقة علمية، بينما نشرت مصر 5.592 ورقة بحثية بالرغم من أن تعداد السكان في إسرائيل لا يتعدى 8 مليون نسمة، بينما يتخطى التعداد السكاني في مصر 80 مليون نسمة، وهذا يبين لك مدى الأهمية الكبيرة للبحث العلمي، لذلك إن أردت أن تلتحق بوظيفة ما؛ فعليك دراسته فلم يعد الأمر يقتصر على اللغات.

لكن المشكلة تكمن في تعلمه، المزيد من الكتب تعني المزيد من الأفكار والآراء، فبعد قراءتك لبعض الكتب في البحث العلمي تجد نفسك تائهًا في المنتصف، لا تدري من أين تبدأ وإلى أين تنتهي!

البحث العلمي هو واحد من أكثر المهن إثارة، ومكافأة، ومن إيماني بفكرة تبسيط العلوم فها نحن ذا، بعدما أنهيت عملك في أحد الأيام، وعدت إلى البيت وجدت والدتك حزينة، كيف تتعرف على أسباب حزنها، وحل تلك المشكلة، باستخدام خطوات البحث العلمي؟

أولًا- الملاحظة وتحديد المشكلة:

البحث العلمي يبدأ بسؤال في ذهن الباحث كيف؟ لماذا؟

 

ويكون ذلك من خلال الملاحظة سواء كنت تقرأ مادة علمية، أو رأيت شيئًا مثيرًا في أي مكان، أو قابلت مشكلة ما، وبدأت تتساءل ما السبب وراء ذلك؟، فبدون تلك الملاحظة لن يكون لديك بحث علمي، فهي كأساس البيت بدونه لن تستطيع البناء، فأنت عرفت أن والدتك حزينة، من خلال صمتها، كما أن عيونها تملؤها الدموع، فهنا أنت بدأت الملاحظة وحددت المشكلة الرئيسية وهي أن والدتك حزينة.

ثانيًا- الفرضيات:

هي عبارة عن مجموعة من الإجابات المنطقية للمشكلة البحثية، أو تخمين من قبل الباحث، وهذه المرحلة تعد من المراحل الرئيسية لكتابة أي بحث علمي، وعليها نحصل على النتيجة المتوقعة.

من شروطها، أن تكون الفرضية منطقية، فلا نستطيع أن نقول إن السبب وراء حصول الطلاب على درجات منخفضة في امتحان معين هو ارتفاع سعر القهوة!، وأيضًا من شروط الفرضيات؛ أن تكون محددة وقابلة للاختبار، وواضحة بعيدة تمامًا عن الغموض، ويجب استخدام الحيادية في اختيار الفرضية، وأن لا تكون منحازًا.
كأن أقول إن السبب في حصولي على درجات منخفضة في مادة الفيزياء كراهة الدكتور لي، حتى وإن كان صحيحًا، لكن كان فكرك منحازًا، وهذا يؤثر على النتائج في النهاية.

 

فبعدما لاحظت أن والدتك حزينة، بدأت تفكر ما السبب وراء كونها حزينة، فبدأت وضع فرضيات:

 

 
1- السبب في ذلك علو صوتي على أمي في الصباح قبل ذهابي للعمل.
2- أن هناك مشكلة بين أختي وزوجها.
3- أن أخي المسافر لم يتصل بأمي اليوم.

 

 
عند وضعك للفرضيات لا تزد عن 3 فرضيات، حيث إنه كلما قل عدد الفرضيات كلما كان أفضل، لأن كل فرضية قد تعد بحثًا علميًّا منفصلًا يحتاج إلى تجريب، واستنتاجات مختلفة، وغير ذلك؛ ستستغرق وقتًا طويلًا، نحن هنا افترضنا 3 افتراضات.

 

بالنسبة للفرضية رقم (2) هي فرضية غير منطقية؛ لأن أختي ليست متزوجة، لذا يتم استبعاد تلك الفرضية، بقي لدينا الآن فرضيتان، بالنسبة للفرضية رقم (3) يمكن اختبارها، قمت بالاتصال بأخي، وتأكدت أنه تحدث إلى والدتي اليوم، لذا بقيت فرضية واحدة، ليس معنى أن لدينا فرضية واحدة أنها تكون الصحيحة، كما ذكرت أن الفرضية ما هي إلا تخمين منطقي من قبل الباحث، والتأكد من صحة الفرضية وخطئها من خلال النتائج النهائية.

ثالثًا- المتغيرات:

هناك أنواع كثيرة من المتغيرات لكننا هنا سنتطرق إلى نوع واحد وهو المتغير المستقل والتابع، ومن الأفضل أن يكون لدينا متغير واحد فقط، حتى لا نستغرق وقتًا أطول في الحصول على نتائج مختلفة، لكي نفهم ذلك؛ إذا كان لديك نبتة تنمو يومًا بعد يوم، قد يكون سبب النمو (الماء- التعرض لضوء الشمس)، سنقوم بإهمال أحد المتغيرات المستقلة وهو الماء، لذا بقي لدينا متغير مستقل واحد وهو ضوء الشمس وهذا ما نريده، فالمتغير المستقل هنا ضوء الشمس، والمتغير التابع له هو نمو النبتة، فإن قمنا بمقارنة ذلك في هذه الحالة، نجد أن هناك علاقة بين علو صوتي على والدتي، وحزنها.

رابعًا- الخلفية البحثية

لا يمكنك أن تبدأ بحثًا علميًّا بدون أن يكون لديك مادة علمية تبني على أساسها البحث، تعد هذه المرحلة ثاني مرحلة في البحث العلمي، فإن بدأت بحثًا علميًّا عن تأثير الموسيقى على الدماغ أثناء المذاكرة، فيجب عليك أن تدرس تأثير الترددات المختلفة على الدماغ، وكيف يقوم العقل بالتركيز على حدثين معًا، كأن تقرأ عن نظرية “تأثير حفلة الكوكتيل”، وهكذا، بالنسبة لموضوعنا، فعليك أن تقرأ مثلًا عن علاقة الأم بالأبناء، ترابط الأسرة، العاطفة عند المرأة، من خلال القراءة تستطيع فهم ما الذي تتعامل معه.

خامسًا- جمع البيانات وتحليلها:

لدينا عدة طرق لجمع البيانات منها الملاحظة، المقابلة، الاستبيان، الاختبارات أو التجريب.

البحث الذي لدينا قد نستخدم فيه المقابلة، والاستبيان.

المقابلة هي علاقة بين الباحث والمستجيب، وقد تكون مباشرة كأن يلتقي الباحث بالمستجيب وجهًا لوجه، أو غير مباشرة، كأن يحدثه من خلال الهاتف كمثال.

 
أما الاستبيان ربما لا يخفى على أحد، فهو عبارة عن مجموعة من الأسئلة، أو الجمل الخبرية يتم الإجابة عليها من خلال ملء استمارة ورقية أو من خلال الإنترنت، فتبدأ بمقابلة أشخاص مروا بمشكلة مشابهة، وقاموا بحلها وحصلوا على نتيجة معينة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، لكن مشكلة هذا النوع من طرق جمع البيانات أنها تتطلب وقتًا أطول.

ومن عيوب الاستبيان أنه غير دقيق، وغير صادق بعض الشيء، لكن ميزته أن يستغرق وقتًا أقل وعددًا أكثر من المتطوعين، بعد ذلك نبدأ بتحليل البيانات التي حصلنا عليها.

وكانت معظم الإجابات أنهم قاموا بتقبيل رأس والدتهم، وتأسفوا لها، وقدموا لها أشياء تحبها مثل (عباءة- رحلة ترفيهية – زيارة للأهل – أنبوبة جديدة).

سادسًا- النتائج:

هي المرحلة الأخيرة والتي عليها نستنتج ما إذا كانت الفرضية التي قمت بوضعها صحيحة أم لا، يجب أن تكون النتائج دقيقة، ففي البحوث التجريبية إذا كانت النتيجة التي حصلت عليها مثلًا 59% فمن الخطأ أن نقول إن النسبة 60%، يجب أيضًا استخدام الحيادية في النتائج سواء كانت النتائج إيجابية أو سلبية، فبعدما اعتذرت لوالدتك وقدمت لها هدية، قامت بمسامحتك، ولم تعد حزينة، ومن هنا نستنتج أن الفرضية التي وضعتها صحيحة.

سابعًا- الاستنتاجات:

وهي عملية ذهنية بالنسبة للباحث يستخلصها من البحث ككل، وتكون بالتخلص من المشكلة قبل وقوعها، كلقاح شلل الأطفال، وربما التخلص من المشكلة نهائيًّا، أو إيجاد حل للمشكلة فور وقوعها، لذا نستنتج أن لا تقوم برفع صوتك على والدتك مرة ثانية لأن ذلك يؤثر عليها، وإلا فأنت تعرف الحل، وتبدأ بنشر بحثك بعد ذلك، لتيسير حلول سريعة لنفس المشكلة، ومن الممكن تطوير البحث بالتعديل والإضافة والحذف فيما بعد.

من خلال هذه المراحل البسيطة يمكنك أن تبدأ البحث العلمي الخاص بك، لكن أهم خطوة هي أن تبدأ.
فالبحث العلمي غير عنصري فهو لا يعتمد على تقديرك في الامتحان، عمرك، لونك، غنيًّا كنت أم فقيرًا.
بل إنه يعتمد على شيء واحد فقط: ما الذي تريد أن تقدمه للعالم، وفي المقابل يقدم لك احترامًا وتقديرًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد