في الفترة الماضية، مع اتساع منصات التواصل الاجتماعي، وحدوث طفرة كبيرة في الأعداد المتدفقة لتلك المنصات، وخاصة الشريحة الشبابية منها، أصبح من الطبيعي وجود أصحاب الشهرة الواسعة والصيت على هذه المنصات؛ لأن المحتوي المكتوب لا رقابة عليه، أصحاب الشهرة الواسعة وما يسمى بنخب السوشيال ميديا حقيقة -منهم وليس الكل- أواعٍ مفرغة وجدوا أنفسهم في تلك الحسابات المزيفة عقلًا، وفكرًا، وموضوعًا عن طريق بعض المتابعين البسطاء.

هذه الظاهرة لم تكن وليدة الأمس، فالعالم الافتراضي صنع لنا منذ زمن قصير أبطالًا من ورق، أصحاب الألوف من المتابعين، لكن في حقيقة الأمر هم لا شيء في أرض الواقع، ما رأيته بعيني من بعض هذه الشخصيات على أرض الواقع أنهم حقًّا لا يملكون هذا الحجم المعطى لهم في العالم الآخر، فهم بشر يصيب ويخطئ. أحيانًا تجدهم متكبرين متغطرسين، وينظر إليك نظرة على أنه من حسن حظك أنك قابلتني يومًا ما، وسجل هذا اللقاء في دفترك للتاريخ.

هؤلاء مع كل حدث يطرأ على الساحة في أي مجال من المجالات المختلفة (دعوية أو سياسية أو اجتماعية أو العلاقات الدولية التي يدرسها أساتذة وجامعيون كبار) يتحول بقدرة قادر إلى عالم كبير في هذا الشأن، حتى وإن لم يكن أهله. مرارًا وتكرارًا تتساقط منهم الأوراق المختلفة مع ظهور كذبهم، ووضوح زيفهم، والاضمحلال الفكري الناتج عن الفتي أو «الهري» بالتعبير المصري الحديث.

الواهمون دائمًا يشعرون، وكأن العالم كله ينتظر رأيه في هذا الشأن، والمتابعون ينتظرون منه الحديث والظهور ليوجههم إلى المسار الصحيح، ولسان حاله: وكيف لا أعلق وأكتب على ما حدث في هذا الأمر؟ وحين تتجرأ وتأخذك الحمية مرة وتحاوره في شيء -قد يكون خطأ- فلك من الجزاء أن تحرم من نعيم الحساب، ونبع المعرفة، ويحذفك نهائيًّا من قائمته، ولو كان يملك قليلًا من الاحترام يقول لك: «هذا أنا وهذا رأيي لك أن تقبله أو تحذفني». وكأنه يقول كيف تجرأت على رأيي، وهو لا يملك أي فرصة للتفاهم أو الخلاف.

دائمًا وأبدًا تجدهم في مواطن الخلاف ظاهرين يبحثون عن «اللايك والشير» من مؤيدي أحد الطرفين المختلف معهم. وكيف لا يكتب ويتحدث! وفي هذا الكلام سيجد نفسه، ويجد من يشبع رغبته في تمجيده والإثناء عليه، فهذا مرض نفسي لا يملك إلا أن يعالجه على واقع افتراضي.

لا أخفيكم سرًّا أن هؤلاء يضعون لنا من الكلام المعسول المزين بكلام الفلاسفة والغربيين والحكماء حتى يتبين أنه مطلع، وقام هذا بالبحث عنه في المنصات الأخرى، وهو أول من يعلم هذه المعلومة، أو ذاك الكلام، وكأنه صاحبه وأنت أيها المتابع الضعيف آخر من يعلم.

لا تجعل الوقت «الكثير» المهدور يذهب منك هباءً في قراءة أفكار هؤلاء، هم حقًّا لا يملكون شيئًا لتملأ عقلك به، ولا يستحقون أن يذهب عمرك خلف فكر مضمحل، وعقل أجوف، ونفس تبحث عن الشهرة. لا تسلم عقلك وفكرك لشخص كل ما في الأمر أنه امتلك بعض المال، وقام بتوسيع دائرة نشره الخاصة بالمال، لا يغرك عدد المتابعين ولا كثرة الناشرين. ابحث عن ما ينفع عقلك، وتنمية نفسك، ابحث عن القيمة المعرفية الحقيقية.

«اعلم أن خطر اللسان عظيم ولا نجاة من خطره إلا بالصمت».

بهذه الكلمات افتتح الإمام أبو حامد الغزالي كتابه إحياء علوم الدين، وبعيدًا عن البعد المعرفي والثقافي فخطر الوقوع فيما لا تعلم عند الله عظيم، وعلمتني أمي أن «لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن هنته هانك»؛ فحاذر أن تسقط في سفاسف الأمور، وتحط بعقلك في وحل الجهل المعرفي.

المحتوى العربي على منصات التواصل في تنازل مستمر من وقت لآخر، والواقع السياسي غالب على الجميع، والجانب المعرفي والثقافي هو الأقل انتشارًا، ورواد الثقافة الحقيقيون وأساتذة الفكر والتاريخ قليلون على تلك المنصات، وأغلبهم لا يجيد نشر ما يملك من أفكار وتبسيطها حتى تتماشى مع الواقع الجديد، وزمن السرعة، ولا يضعون هذا العالم المثقل بالملايين العددية في خطتهم؛ لضيق وقتهم المزدحم بالدراسات والكتب.

عليك يا صديقي أن تبتعد كل البعد عن الباحثين عن الشهرة، والفاقدين لذاتهم. ابحث عن ذاتك وزادك أيضًا من رواد الفكر والكتاب الحقيقيين والمحاضرين في الجامعات ورواد الثقافة، إن لم تجدهم على وسائل التواصل «وقليل منهم موجودون»، عليك أن تذهب إليهم بالقراءة لهم من المكتبات والمعارض والكتب الإلكترونية التي أصبحت متاحة للجميع. عليك البحث عن الحقل المعرفي الحقيقي الذي يجعلك في مقدمة الصفوف في العلوم المختلفة.

كتب أستاذي ذات مرة، أن الباحث عن العلم على منصات التواصل كمريض السرطان، يدخل إلى قهوة، ويسأل عن العلاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الذات
عرض التعليقات
تحميل المزيد