يقرعُ قلبي كما الطبول في لحظات الفرح، الأضواء خافتة ، موسيقى الأوركسترا تتلاعب في المكان، جميع الأعين تتجه نحو خشبة المسرح، تصفيق وصفير كاد يغلب صوتَ عريف حفل التخرج ، تمتمات شفتاي تردد: ( لبييك جامعتى )، بينما حدقة عينيّ تبحث فى القاعة الزرقاء التي تتسع للآلاف عن عينيّ أمى وفرحتها بدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف.

على منصة الخريجين للوهلة الأولى توجست نفسي خيفةً، لكن أمي قالت حينها: لا تخف إنك أنت الأبهى، وزعت سيلا من الابتسامات، كنت أبث في الجالسين أمامي ترانيم صمود وصبر وحب واجتهاد ، كررت ثلاث مرات: ” هندسوا حياتكم بما يتوافق مع أحلامكم ” ، ترى هل أجيد هندسة أحلامي؟

 

 

 
تقدح شرارة الأسئلة عقلي، بينما أدرك حينها أن أحلامنا قليلاً ما تأتى إلينا هي تماما كقوس قزح، يزورنا بعد يوم ماطرٍ، يرسم في سمائنا ألوانه السبعة، ثم يغادرنا. بعضنا يراه والبعض الآخر لا يراه أبداً، دمعت عيناي حين قلت أهدى بداية نجاحي إلى سيدة الكون أمي، وعدتها وأنا على منصة الأحلام حينها أنى سأبنى لها بيتا ترى فيه تعليمي بكل زواية، وتستشعر بحب الهندسة فيه . لقد كنتُ أهندس أحلامي يومها.

تشرق شمس يوم جديد تحيك على نافذتي قطعاً من رداءِ مستقبلي معلنةً بدء يوم السعي وراء ما حلمت به، ارتشفت قهوتى مع أمي، ودعوات لسانها لم تجف بأن ييسر الله أمري ويسهل دربى، يداها لم تتركني، ترتب هندامى، وتقبل جبينى بين الفينة والأخرى، وهي تردد: (أحلى مهندس فيكى يا غزة).

 

 

 
حملت بين يدى جهد السنوات من أوراق وشهادات؛ قاصداً إحدى الشركات التي أعطتني موعدا للمقابلة على إثر إعلان لهم فى الجريدة حول رغبتها بتوظيف مهندس، سارعت بالاتصال بعدما قرأت في ذيل إعلانهم: (إيمانهم بتوظيف الجيل الصاعد بغض النظر عن سنوات الخبرة رغبة منهم في ضخ دماء جديدة في سوق العمل).

 

 

 

 
استقبلتني فتاة في مقتبل العمر ، تزين ابتسامتها مراسم الاستقبال تجلي عنك طبقات التوتر، توصلني لرجلٍ في العقد الرابع ، جميل المبسم، ممتلئ الجسم، صوته رخيم، متوسط طول القامة، وعيناه لوزيتين، يترك مكتبه الفخم، يجاورني المقعد، نتجاذب أطراف الحديث، يمضي اللقاء سريعاً، يتوج بتوقعي عقداً براتب مجز.

صوت رقيقٍ يناديني من خلف الباب يقطع ما كان مصاحب للنوم من أحلام. الأحلام دائما وردية، لا عقبات، لا مطبات، تعرقل طموحنا، والواقع دائما مخالف . الإشكالية ليست فيه بقدر ما هي فيمن يحيط ويتحكم به رغبة في إشباع شذوذ السلطة.
يتزوج المتحكم الواقع قهراً؛ ليمارس طقوسه غير السوية على مرأى الناس، لينجم عن ذلك ابن غير شرعي دون حواس، أصم، أبكم، محب للمال أطلق عليه لقب ( الواسطة).

 

 

 

 

 
ما لبث هذا المخلوق حتى صبغ بصبغة العالمية، ليتجاوز كل الحدودِ والفوارق الجغرافية، والاجتماعية، والدينية، ويعترف بالمال كركيزة أساسية للبقاء، ثم المعرفة ثم الخدمات المتبادلة ( حكلي تحكلك )! وتختلف مظاهر التعبير عن هذه الواسطة من مجتمع إلى آخر.

تتربع الدول العربية على عرشه ( خالتي بتسلم عليك – انا من طرف فلان – فلان الفلاني باعتني الك) وفي مجتمعي ( انا ابن فلان- انا من المسجد الفلاني – الامير بيسلم عليك – انا معي خطاب تزكية من الحركة ، انا معي كتاب رئيس ).

فى صباحٍ مشرق آخر، أجتهد في مراجعة ما يلزمني قبل التحرك لطرق أبواب المؤسسات. حكومية، كانت أو خاصة. ملف أزرق يضم كامل الشهادات وبعض الرسومات والتخطيطات لبعض المشاريع التي أحسنتُ صياغتَها لعليّ بذلك أقتنص الفرصة، توكلت علي الله، وبدأت مسلسل الدوران، وطرق الأبواب، بين التجهم، والابتسام الأصفر.

تغلق الأبواب في وجهي تباعاً يقترب النهار من وداعِ الأرض، ولم يبق للروح من متسعٍ لتطرق أبواب أخرى، أشعث، أغبر، أجر الخطى لمأوى الأحلام علي أقتبس جذوة من نور تسري في الروح نبضات الصمود .

 

 

 

 
تكثر إشراقات الصباحات، لكنها لا تختلف، أبحث فيه عن ضالتي، في غابة الشركات، والمؤسسات. تهمس الأصوات بضرورة امتلاكك ما يؤهلك لاختطاف الفرص المطروحة يقف أمامي شاب، وكأنه يعارك نفسه مشدوه البال، شاحب اللون، قائلاً لنفسه، إذ يكلمها: ( بدي واسطة، بدي واسطة، لو معي واسطة هتوظف، من وين اجيب واسطة من وين ) ينتهى اليوم وما زال بين حلمي وتحقيقه كما بين المشرق والمغرب.

أرمي بجثتي على المقعد إجباراً، ترتعش الأصابع خلال ملامستها للكيبورد أدخل الأحرف الأولى للكلمة التي أسرفت في استماعها اليوم، وكأن جوجل يعي ما يدور بخلدي، ما كتبت أول حرفين منها حتى أخرج لي خيارات البحث: ( واسطة – واسطة توظيف – واسطة تعليم – الواسطة ) تركزت العين على بحث شامل كامل عن الواسطة في وطني كان مما جاء فيه:

 

 

 
(يعتقد 40% من الفلسطينيين أن الواسطة والمحسوبية والمحاباة هي أكثر أشكال الفساد انتشاراً في المجتمع الفلسطيني، لكن المفاجأة أن الغالبية العظمى من المستطلعين يرون أن الواسطة مهمة للحصول على خدمة عامة، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على ممارسة هذا الشكل من أشكال الفساد).

 

 

 

 
عدلت من جلستي، أطلقت تنهيدة مدوية، حاولت فيها إزاحة الظلمِ الجاثم على صدري، وقفت أمام المرآة قبل النوم أبحث عن نفسي، وأحلامي، أطفأت الأنوار وأغلقتُ شبابيك عينيّ، ثم همست لنفسي: إن الاحلام لا تموت ما دام وراؤها مهندس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد