حين يجتمع الموت والحب وأعني بهذا اجتماع سحر الحبّ بسَكَرات الموت، نتساءل نحن البشر «الطبيعيون» هل ذلك المزيج من الهذيان بإمكانه أن يتواصل ويحيا أم أن مآله في النهاية الاندثار مثل تفتت خلايا الجسد بفعل الأورام. حين تلمح رأسها العاري وجسدها الهزيل تشك لثوانٍ بأنه قادر على تحملها أيامًا أخر.

تصرخ، تهذي، تهرول، وتستكين مهزومة لقرار القدر، ويتراءى لها خيال رجل ظهر من بين النفوس المهزومة والأجساد المبتورة والقلوب التي ما زلت رغم كل شيء تأبى الانكسار وتصر على العيش.

تضع تحت وسادتها قطعة جلد كتبت عليها «نحن نذهب إلى القبر ملفوفين في شراشف أما أنا وإياه سيلفنا الحب وكثير من الصمود».

تقضي ما تبقى لها كجثة ارتسمت على ملامحها بدايات النهاية، وحين يبدو على ملامحها بعض الانتعاش يسألونها: لم هو بالذات من بين كل المرضى هنا؟

تقول إنهم ليسوا مرضى بقدر ما هم نفوس ضاقت ذرعًا بأسطر الحياة، فاختاروا روايات أخرى ليكونوا أبطالها، وبخصوصه تقول إنه عكس معظم الرجال، بدلًا من أن يظل جامدًا أمام آلامها، يهدهد بها السرير ويخفف عن جسدها المعاناة، يضحك لها بصدق، يحتويها بحقّ.

ذلك الرجل يجرّدها من كل أطلال زمنها، بما في ذلك الخوف والوحدة وخاصة الألم، ألم في أوجِهِ يفوق مخاض الولادة، وحين يشلّها الرعب تستحضر ضحكته فتدغدغها وتحملها إلى اللّامكان؛ حيث تنسى كل مصائبها وترى نفسها حورية في عالم غير هذا.

هي تُؤرشِف به لحظات فرحها لتضيء ما تبقى لها من عمر، وهو يهيئ بحضورها مثواه الأخير. هي ترى بعينيه أملًا كانت لا تبصره ومجرّد وجودها هو الأمل بعينيْه. السرطان يجعل منهما بِكرَين في معترك الحياة، عذراوين يَشُنّان على الموت حربًا من الحبّ، يحنّان إلى ما قبل المرض ويستلذانه امتنانًا له على هذا اللّقاء.

مرض يحلّ محلّ الصديق ويأتي على شكل بُنَّ القهوة ليوقظ فيهما رغبة البقاء. هو الجمرة التي يدوسان عليها دون الشعور باحتراق، بأنين متبادل من سادية المرض. وعلى سرير المرض يجتمعان على الشقاء، فيسندها حين تنحني ألمًا وتسقيه حين يجفف الانكسار عروقه.

يذوبان بعضهما في بعض حين يتجرّعان ترياق الموت على مهل، يكبران ويصغران كما الأمل، يصغران بتأوهات الليل ويصغران بلمعان نجومه، يتسابقان نحو البقاء أو هكذا يبدو لهما، بغيابه تُشعل خوفها لتضيء الطريق دونه، بغيابها تتعثر خطاه وكأنما يمشي لأوّل مرّة، بحضورهِ يخونها البكاء، وبحضورها يصير الوجع هباء.

يتكلّمان اللّغة ذاتها، لــــغة حضور الغياب وإدمان الحـــياة.

حــب متعجّل، رُفعت عن ملامحه كلفة الخــجل. حــب لا يُعدي ولا يُميت، دون موعد أول، دون قُبل، دون أحضان.

حــب بعبق السرطان، تنتفي بحضوره عناوين العشق الكبرى، فيتمثل بقوّة في أنين الوجع واستجداء البقاء من عينيْ رفيق، هو اندماج قلبين في بقايا اللّاوعي.

في حضرة الحب والموت يبنيان أحلامهما الواهمة لتتراءى لهما جنان تربض بأسمى معاني البقاء، ذلك الحب النقي والخالي من كل شوائب الحياة، يخلقان معًا، زمــنًا يصير فيه الاحتضار طقسًا من طقوس الوَلهِ، والموت فيه هو الرعشة الأخيرة يطلقانها سويًّا ليبلغا لــذة الجسد والروح معًا، هو مزيج لن يُكتب على قصيدة ولن يصير تاريخًا بذاكرة عجوزين، حــب يتراءى للناظرين على هيئة يأس المرضى من الحياة ويتمثل لمصابيه على هيئة الملاك الحارس من خطفة الموت.

حــب بعبق السرطان، لا يعــيش ولا يمــــــوت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حــب, حب, سرطان, نثر
عرض التعليقات
تحميل المزيد