من الصعب أن نجد قائدًا، لا يفكر بما وراء «التلة» وهو يستعد لخوض حرب أو معركة، أو مجابهة مع العدو؛ لأن معرفة المنطقة والتعرف على العدو، سواء على أدنى مستوى تكتيكي أو على مستوى إستراتيجي عام، لا يقل أهمية عن معرفة القائد لقواته هو، وذلك من أجل نجاح مهمته. قد لا نغالي إذا قلنا إن قوة أي دولة وكذلك المقاومة الفلسطينية، تقاس بقدرتها الاستخبارية؛ ذلك أن تكنولوجيا السلاح، ومهارات التخطيط، وإعداد القوات، تظل تنفيذية تتعامل مع الواقع الذي ترسمه الاستخبارات، بما يخبئه من توقعات، هذه الحقيقة لا تغيب عن بال قيادة القسام، استعدادًا ليوم المجابهة، وهو قادم لا محالة، لذا فالواجب يقتضي من المقاومة أن تكون عيونها متفتحة، وآذانها صاغية يقفون على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ.

إن عمل الاستخبارات في المفهوم الضيق للكلمة، ينقسم إلى قسمين: جمع المعلومات، وتمحيص المادة الخام وتحويلها إلى «استخبارات» بعد التأكد من موثقية مصدرها، وفي أعقاب تمحيص المعلومات المتعلقة بالأرض والعدو وتصنيفها، يأتي تقدير الوضع الاستخباري الذي يتضمن الإمكانيات التي توفرها الأرض لعمليات الطرفين والإمكانات المفتوحة أمام العدو ومدى معقوليتها. وبناء على ذلك يعطى الجواب بشأن نوايا العدو وعملياته المتوقعة، سواء كانت المبادرة بيده، أو بأيدينا؛ فالأسئلة التي تبحث عن أجوبة لها أجهزة الاستخبارات العسكرية: متى ستهاجمنا قوات العدو؟ أين ستهاجم؟ وبأي قوة؟ هل قواتنا مستعدة لمواجهة هجوم العدو؟ ما نوع هجوم العدو «مفاجئ، إعلان حرب، مطالب محددة»؟ ما شكل الاستعداد المطلوب والمرغوب فيه؟ ما التوقيت المرغوب؟

لم يعد الأمر مقتصرًا لدى المقاومة الفلسطينية على التسلح والجانب العسكري فقط، بل هناك وسائل وأجهزة ووحدات تابعة لأجهزة أمن المقاومة، مهمتها جمع المعلومات عن الاحتلال ومواطنيه وجيشه وظروفه العسكرية، وهناك حرب تجسسيه تدور بين المقاومة والاحتلال، فالمقاومة تؤمن أن عليها بناء منظومة أمنية قوية متطورة إلى جانب التقدم العسكري.

ما يميز استخبارات المقاومة أنها تشكل أجهزتها ودوائرها بالصورة التي تتلاءم مع متطلباتها كفصائل مقاومة، لديها من الشباب ذوي عقليات إبداعية تستفيد وتتعلم من كل مصدر ممكن وتعتمد على نفسها في تطوير قدراتها ووسائلها الاستخبارية في جمع المعلومات، من الواضح أن المقاومة تهدف من عمليات التمويه والخداع المسّ بقدرة الإنذار لدى العدو، حتى تنجح في استكمال استعداداتها للحرب لتحقيق عنصر المفاجأة، في كل وقت وفي كل مكان في الأعمال.

وعند الحديث عن دور أجهزة الاستخبارات التابعة للمقاومة يمكن القول إنه دور تكاملي مع الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة في غزة، وتتعدد جوانب هذا الدور وأهدافه، ويأتي في مقدمتها تمكين الجبهة الداخلية، والحفاظ على أمن أفراد المقاومة ومقدراتها، وذلك من خلال إحباط خطط أجهزة استخبارات العدو ومؤامراتها، خصوصًا ما يتعلق بالعملاء والأدوات التقنية، هذا على صعيد الدور الدفاعي. أما على الصعيد الهجومي فإن المقاومة تعتبر أن كل أراضينا المحتلة عام 1948 وعام 1967 والتي يجثم الاحتلال الغاصب عليها؛ مسرح عمليات أمنية لها، حيث تتعدد مهامها وأهدافها في هذه المنطقة، ومن المؤكد أن العمل الاستخباراتي للمقاومة أسهم كثيرًا في تحقيق الانتصارات في الحرب الأخيرة  2014 على العدو الإسرائيلي، وتجاوز كثيرًا من السلبيات التي وقعت في حرب الفرقان عام 2009، ويظهر هذا جليًا باعتراف وزير الحرب الصهيوني السابق «موشيه يعالون» بقوله: «إن حركة حماس تمتلك قدرات استخبارية عالية جدًا تشبه تلك القدرات التي تتوفر لدى الدول».

ويزعم العدو أن كتائب القسام شكّلت وحدة خاصة لأغراض التجسس، وجمع المعلومات عن تحركات جيش الاحتلال الإسرائيلي على حدود قطاع غزة. وقد تمكنت من إرسال طائرات من دون طيار مزودة بكاميرات، لتصوير حدود القطاع والمواقع التابعة لجيش الاحتلال على تخوم غزة، فعلى الحدود «صراع أدمغة» بين الجيش الصهيوني والمقاومة الفلسطينية آخذ في الاحتدام، يتزود فيه كل طرف بمزيد من المعلومات عن الآخر. الجيش الصهيوني الذي يستخدم كافة وسائل التكنولوجية في المراقبة والتنصت والتجسس، والتصوير لم يعد صاحب اليد الطولى على الحدود، فهو يعلم أن المقاومة تراقب وتجمع المعلومات، وإن كانت بطريقة أقل تطورًا.

هناك عدة طرق تستخدمها المقاومة من أجل جمع المعلومات، بعضها أعلنت عنها، وأخرى ذكرتها قوات الاحتلال ورفضت المقاومة التعليق عليها، لكنها كانت تكتفي بالقول على لسان قادتها: «إن من حق المقاومة أن تقوم بالإعداد، والتسلح بكافة الأشكال استعدادًا لأي مواجهة قادمة»” ومن هذه الطرق، المجال التقني: لقد تمكنت المقاومة من اختراق قاعدة بيانات وأرقام هواتف لآلاف الجنود الصهاينة خلال حرب العصف المأكول، وكذلك نجحت في اختراق أجهزة وحواسيب الاحتلال، وعدة قنوات فضائية، وإرسال رسائل  smsللجمهور الصهيوني؛ الأمر الذي ترك تأثيرات نفسية كبيرة على العدو، وأحدث نقلة نوعية تقنية وتكنولوجية على صعيد العمل المقاوم في الأراضي الفلسطينية، وهذه الأيام يعلن العدو متابعته لنشاط وحدة السايبر التابعة للقسام بعد تمكن هذه الوحدة من اختراق عشرات الهواتف الخلوية لضباط وجنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر تطبيق أسمته وحدة السايبر في القسام «YC»، بديعوت أحرنوت قالت إن اختراق القسام للهواتف الذكية تجعل كل جندي وضابط من جيش الاحتلال معرض أن يكون عميلاً للقسام دون أن يعلم، أما في حدة أمن المعلومات في جيش الاحتلال الإسرائيلي قاموا بفحص الأجهزة الخلوية التي تم اختراقها، واكتشفوا أن المعلومات التي كانت فيها وصلت لأيدي معادية حسب تعبيرهم، ومن بين المواد التي وصلت للقسام صور غرف العمليات، وصور مدرعات ووسائل مراقبة، إلى جانب عدد كبير من الصور والأفلام الشخصية لجنود وضباط من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

في هذا الصدد قال رئيس وحدة التحقيقات في وحدة أمن المعلومات: «نحن ندرك أن أعداء دولة إسرائيل باتوا على معرفة أن شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون مصدرًا لكثير من المعلومات ومنها ما هو سري، وحركة حماس فهمت في السنوات الأخيرة أهمية هذه الساحة، بالتالي بدأت باستخدام حسابات مزيفة لفتيات جذابات»، ويعتقد ضباط أمن المعلومات لدى العدو أن القسام يعمل بثلاث طرق مركزية، الطريقة الأولى الدخول لصفحات فيسبوك ذات طابع عسكري، الطريقة الثانية التوجه للجندي مباشرة، فهو شاب صغير معني بالتواصل مع الفتيات، وهذا أمر طبيعي، ومن خلالهم يحاولون الحصول على معلومات ومنها معلومات سرية، والخطوة الثالثة إرسال تطبيقات من أجل اختراق الهاتف الخلوي والسيطرة عليه، بهذه الوسائل يستطيع عناصر استخبارات القسام الحصول على المعلومات، ومن هذه المعلومات، مكان وجود الجندي، والتصنت على مكالماته وعلى الرسائل التي يرسلها وتلك التي يستقبلها، كما يمكن تشغيل ميكرفون الهاتف الخلوي ومعرفة ماذا يدور في المنطقة المحيطة، ويمكن تصوير مواقع حساسة دون علم الجندي.

وعلق الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة «معاريف» الإسرائيلية والمقرب من الأوساط الأمنية «يوسي ملمان»، والذي أوضح بأن هذا الجيش من السايبر يعد أخطر تهديد لأمن المعلومات الإسرائيلي والذي من المحتمل أن يكون قد تعرض لضربة موجعة واختراق غير مسبوق ويكون به عناصر القسام قد حصلوا على معلومات حساسة تمكنهم من التقدم بخطوات في مضمار حرب العقول التي تخوضها مع جيش الاحتلال، صحيح أن أمن المعلومات في الشاباك والمخابرات العسكرية تمكن من الكشف عن هذه المعركة، لكنه لم يكشف لنا حجم الضرر الحاصل، لذا علينا أن نأخذ بالحسبان بأنه قد تكون العمليات المضادة من «أمان» و«الشاباك» لم تنجح في منع كل محاولات حماس، وينبغي الأخذ بالحسبان أيضًا سيناريو الحالة الأخطر، بمعنى أن يكون عناصر حماس قد نجحوا في الحصول على معلومات مهمة وسرية، وفي «إسرائيل» لا يعرفون هذا».

فالمقاومة تسعى للحصول على أفضل المعلومات التي يمكن الحصول عليها عن العدو، والتغلغل في صفوفه بواسطة استخدام الوسائل التكنولوجية والتقنية، من أجل معرفة ما الذي تعرفه وما الذي تريد معرفته، وكيف تحصل على المعلومات التي تريد وعلى المقاومة أن تكون قادرة ومستعدة أكثر لمنع التغلغل في صفوفها من قبل استخبارات العدو؛ لأنه كلما استطاعت تنفيذ عمليات خداع واختراق استخباري ناجح، سيسعى العدو بالمقابل بالرد من خلال أجهزته الاستخبارية لذلك عليها أن تسأل نفسها باستمرار ما هي الاتجاهات المعقولة والأكثر منطقية التي قد يهاجم العدو منها.

الخلاصة: الاستخبارات العسكرية أخذت أهمية وشمولية كبيرة لدى المقاومة الفلسطينية، وغدت مرتبطة بإستراتيجية المقاومة، وشملت مهماتها تفصيلات عن النظريات العسكرية، وعن البناء الحربي للعدو وخططه الحربية، وما يطلق عليه «تنظيم القوات للمعركة» التي بدورها تشمل المعلومات العامة عن أماكن الوحدات البرية والبحرية والجوية والبيانات الفرعية كأسماء الضباط ورتبهم والإشارات المميزة للوحدات، مما تقدم نستطيع القول إن أعمال الاستخبارات وأنشطتها، وفي ظل حالة عدم الاستقرار في المنطقة، تسعى قوى المقاومة جاهدة إلى تحديث أجهزة الاستخبارات لديها وتطويرها؛ فالاستخبارات هي عينها التي تري بها مواطن الضعف والخلل في جسد العدو، كما أن هذا السبق في صراع الأدمغة ما بين المقاومة والعدو الصهيوني سيتطور مستقبلاً، والصالح فيه للمقاومة وسيساعدها في عملية الصراع المستمرة حتى إيجاد توازن في القوى، ومن ثم تفوق ولو جزئي لإحراز النصر على العدو الصهيوني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد