تطل علينا كل فترة تنبؤات – محددة باليوم وربما بالساعة – بنهاية الحياة على سطح الأرض، ربما كان أكثرها ضجة في السنوات القليلة الماضية؛ ما أثير حول إمكانية حدوث تحولات مفاجئة وعنيفة ربما أدت إلى نهاية الحياة بصورتها الحالية بتاريخ 21 ديسمبر من العام 2012، بحيث بنيت تلك التنبؤات أساسا على انتهاء دورة تقويم أمريكا الوسطى الكبير التابع لحضارة المايا، والذي أنتج بسببها فيلم 2012 الشهير.

ولكن بعيدًا عن تلك التنبؤات التي تهدف إلى تفجر الضجة الإعلامية، فإن العديد من المسائل التي تنذر بخطر ربما وشيك على حياتنا كالاحتباس الحراري والحرب النووية يأخذها العلماء بعين الاعتبار.. تعالوا هنا نناقش إحداى تلك الأخطار المحدقة، والتي من الممكن أن تعصف بالحياة على سطح أرضنا بالمدى القريب أو المتوسط، ألا وهي مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، والتي من الممكن على أثرها أن يرجع الزمن إلى عصر ما قبل اكتشاف المضاد الحيوي، حيث الموت يحصد أممًا.

بعدما قام جاليليو جاليلي بتوجيه تلسكوبه ناحية السماء كي يستكشف أجرامها، وجه أنتون فان ليفنهوك عام 1674 ميكروسكوبه نحو قطرة ماء ليرى للمرة الأولى عوالم من الكائنات الحية الدقيقة تسبح فيها.

بعدها بمائتي عام، استطاع العالم الفرنسي لويس باستير أن يدلل على القدرة الممرضة لهذه الكائنات وحيدة الخلية، والتي يتراوح طولها بين 2-3 ميكرون وعرضها 0.2-2 ميكرون.

قبل باستير، كان يروج لنظرية تدعى (التولد الحيوي الذاتي) وهي باختصار تعني إمكانية تولد الكائنات الدقيقة الحية من المواد غير الحية بصورة تلقائية، باستير لاحظ بنفسه وجود الخمائر – كما اصطلح على تسمية الجراثيم في ذلك الوقت – في النبيذ؛ مما دفعه إلى الاعتقاد بأنها السبب في التخمر (الاختمار هو عبارة عن تفاعل أكسدة/اختزال يتحول فيه السكر إلى مواد أخرى عن طريق الجراثيم) والتعفن الذي يحدث للطعام والألبان ليسبب الأمراض للمستهلك.

في تجربة له، قام العالم الفرنسي بتجهيز سبيكة غنية بالطعام كوجبة شهية لجذب الجراثيم، ثم وضعها في كوب مختبري ذي عنق زجاجي مائل طويل له فوهة قام بسد طرفها، بعد ذلك قام بتسخين النظام لدرجة الغليان ليقضي على أي تواجد للجراثيم بداخله، ثم انتظر عدة أسابيع ولم يحدث شيء، فقام بدوره بتهشيم العنق الزجاجية ومعها قضى على نظرية التولد الذاتي؛ لأن المستعمرات البكتيرية قد بدأت على الفور في الانتشار على سطح السبيكة؛ مما عنى أن الهواء قد حمل الجراثيم من الخارج، ولا وجود ألبتة للتولد الذاتي.

لم يكن لويس أول من أشار إلى القدرة الممرضة لتلك الكائنات الأولية، ولكنه أيضًا لم يكن الأخير الذي أعطى الثقل لتلك النظرية، فقد كان للطبيب الألماني روبرت كوخ الحائز على جائزة نوبل في الطب لاكتشافه الجرثومة المسببة للسل الرئوي عام 1905 الفضل في التأسيس لعلم الجراثيم كعلم طبي مستقل.

في العام 1928، قام رئيس البيوكيميائين بمشفى بلندن ألكسندر فليمنج والذي يبلغ من العمر ثمانية وأربعين سنة، باستزراع نوعا من الجراثيم يدعى المُكوَّرات العنقودية (بالإنجليزية Staphylococcus)،إذ لاحظ مصادفة موتها بعد تعرضها لعفن (يحتوي جراثيم) يدعى المكنسيَّة (بالإنجليزية Penicillium notatum)، الذي كان يفرز مادة البنسلين Penicillin. فيما بعد، تم تسمية المواد التي تقتل البكتيريا بمضادات الحياة (بالإنجليزية Antibiotics).

لم تكن كميات إنتاج الفطر من المضاد الحيوي كبيرة، مما شكل عائقًا نحو توزيعه بشكل واسع. الأمر حل تمامًا على يد العالمة دوروثي هوجكن، عندما قامت بابتكار طريقة لتصوير البلورات بالأشعة السينية (بالإنجليزية X-ray)، مما مكن العلماء من معرفة التركيب الجزيئي للبنسلين، وبالتالي تم إنتاج كميات كبيرة منه على شكل مزيج طبيعي-صناعي.

في شهر أغسطس من العام 2016، اهتز المجتمع الطبي لوفاة سيدة أمريكية سبعينية إثر إصابتها بجرثومة شائعة تتسبب في معظم أمراض العدوى الرئوية والدموية تدعى كاليبسلا الالتهاب الرئوي (بالإنجليزية Klebsiella pneumoniae)، حيث قامت الجرثومة بمقاومة عائلة المضاد الحيوي كاربابينيم Carbapenems، والذي يلقب بخط الدفاع الأخير ضد الخطر البكتيري.

حدث هذا الأمر بسبب تحور جيني داخل الجرثومة أدى إلى إنتاج أنزيم يعرف اختصارا ب NDM-1 له المقدرة على تفكيك وإبطال عمل المضادات الحيوية.

ولكن حسب الدراسة المنشورة بالدورية العلمية، صحيفة العلاج الكيميائي لمضادات الجراثيم Journal of Antimicrobial Chemotherapy، فقد نجح فريق من الباحثين على إيجاد جزيء كيميائي يمكنه إعادة فاعلية مضادات البكتيريا ضد البكتيريا المقاومة لها، وذلك من خلال استهداف الأنزيم NDM-1 ومنعه من التعبير عن نفسه، وبالتالي استعادة حساسية البكتيريا تجاه المضادات الحيوية المستعملة.

هذا النوع من الجزيئات نجح ضد عدة أنواع من الجراثيم تحمل جدار خلية (بالإنجليزية Cell wall) سالب الجرام (بالإنجليزية Gram negative)، هذه البكتريا تتسبب في أمراض شائعة وخطيرة، مثل حالات عدوى مجرى الدم (الإنتان) والإسهال والالتهاب الرئوي وحالات عدوى المسالك البولية والسيلان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد