من جملة الأفكار الكثيرة التي تتبادر في ذهني، هي الفكرة التي تقوم على عدم قابليتنا للتغير، ورفضه رفضا قاطعا من دون أن نختبره مسبقا. كنت أحاول أن أبحث كل مرة في جوهر هذه العقبة التي تمنع العقلية العربية من التقدم لتساير ركب الحضارة العالمية.

لطالما كان التغير والتكيف قانون الطبيعة الأول ـ حتى في الجانب الإنساني ـ، فنلاحظ أن العقلية الأوروبية قد تغيرت بشكل ملاحظ في القرون الماضية، بينما ترسخت نفس العقلية العربية وتأصلت في مكانها دون أي تغيير يذكر، فأصبحنا اليوم بفضل ذلك عبيدا مطيعين للتراث القديم بكل ما يملكه من محاسن ومساوئ، دون أن نحاول التفكير في كيفية تغييره، وانتقاء ما يحمله من مميزات فعالة تمكننا من التقدم، والتخلي عن كل تلك العقبات الجاهلية التي جعلت من هذا الإنسان العربي كتلة متحجرة فكريًا واستهلاكية اقتصاديًا.

في الجانب السياسي، يميل العديد من المواطنين للتمسك بالوضع الحالي المستقر دون محاولة خوض غمار التغيير الذي قد يؤدي إلى حالة عدم الاستقرار. هنا نجد بأن الخوف من المستقبل يبدو من أهم الأسباب التي تبعث على الاستقرار، وتقبل الواقع على حقيقته بالرغم من مراراته.

ولتغيير ذلك، يجب أن نسلك طريق التغيير، دون أن نفكر في المستقبل، لنحاول أن نمنح للعقلية العربية مبدأ الرفض، مبدأ المقاومة، مبدأ تغيير الواقع… إلخ. بهذه الامتيازات ستصبح الشعوب مستعدة لأن تحسن من وضعها الثقافي والاقتصادي، فالشعوب المحررة فكريا لا يمكن أن تستعبد.

ثانيا، يبدو أن بعض الديكتاتوريين لا يحبذون التغيير، لأنه سينزع عنهم غطاءهم الكاذب وسيكشف زيفهم، لذلك يميلون إلى التشجيع على الاستقرار، لكي يعم الفساد حتى يبلغ مبلغه لأبسط مواطن. هذا الفساد سيسمح لهؤلاء الحكام الطغاة بأن يطيلوا مدة حكمهم، فالمواطن البسيط الذي يقضي يومه في العمل لكي ينتهي أخيرًا ببعض من المال لكي يسد رمقه ورمق عائلته لا يملك الوقت في التفكير بأن هذه الوضعية التي يعيشها هي وضعية بائسة، ولن يجد الوقت لكي يفكر في تغيير هذا الوضع لأنه أولًا متأثر بعدة عوامل ـ مثلما ذكرنا سابقًا ـ الخوف من التغيير، وثانيًا الإلهاء الذي يسيطر عليه ويتملكه.

هناك العديد من الثوار في هذا العالم العربي، لكن السلطة تميل غالبًا إلى اكتساب ثقة جمهور «الكنبة»، هذه النوعية البسيطة من المواطنين، التي تم تجهيلها وأدلجتها لأهداف سياسية، لذلك هي تسعى دائما لإقناع هذه الفئة بضرورة الاستقرار، وحتمية عدم التغيير، لأنهم أخيرا يمثلون كتلة انتخابية يحبذ الحكام السيطرة عليها، فيصبحون مجرد دمى يلاعبونها كيفما يشاءون. وفي هذا السياق يقول جيمس جوردن: «الأمر ليس أن بعض الناس يملكون الإرادة وغيرهم لا يملكونها، بل إن البعض مستعدون وغيرهم لا».

لطالما كانت الفئة الشبابية ميالة إلى التغيير، لأن العالم اليوم اصبح قرية صغيرة، وأصبحت الثقافات والعادات والتقاليد مكشوفة للعيان، دون أن تضطر للسفر إلى الدول الأوربية لكي تلاحظ المستوى المعيشي الذين يملكونه، أصبح العرب اليوم يشاهدون بأم أعينهم ما تعيشه الحضارة الأوروبية من تطور وسمو. هذه المقارنة البسيطة، بين ما يعيشونه وما يريدون أن يعيشوه، جعلت منهم طيفا يصعب على الحكام السيطرة عليه.

تلك الثورات العربية التي كان قوامها أولئك الشباب  الذين يملئون الميادين والساحات قصد تغيير الأنظمة والحكام ،بل ويضحون بأنفسهم في سبيل الحرية، وفي سبيل إنارة الطريق لمن يجيئون من بعدهم، لدرجة أن المصريين يطلقون هذه العبارة «الورد اللي فتح في جناين مصر» على أولئك الشباب الشرفاء الذين استشهدوا في ميدان التحرير في سبيل الحرية.

التغيير لا يبدو صعبا، لكنه مطلوب، لأنه سيسمح لنا بأن نستمر في التطور لكي نصل إلى ما حققه الأوروبيون من حضارة وتطور وعلم، ولكي نستدرك المسافة الحضارية التي أصبحت تتسع وتكبر وتتباعد أكثر وأكثر.

نحن لا نميل إلى التغيير، لأننا نميل إلى التعود ،«والسارق الذي تعرفه، أحسن من السارق الذي لا تعرفه» مثلما يقول المثل الجزائري، بينما لا يوجد خيار آخر مطروح، حيث لا سارق ولا مسروق، إنما مواطن صالح  مننتخب من طرف الشعب، يميل إلى خدمة وطنه وأبناء شعبه. إنهم لا يطرحون هذا الخيار، لأنه حينها، سينكشف قبحهم ونفاقهم وكذبهم الذي أظلم الأوطان العربية، فأصبحت كثقب أسود، تنعدم فيه كل القوانين الاجتماعية والثقافية والفكرية.

مقاومتنا الغريبة للتغيير، ـ وبدون أن ندرك ذلك ـ سمحت للحكام بأن يلتهموا عقولنا ويسيطروا عليها بل ويتلاعبون بها. لذلك ومن أجل التغيير، يحب أن نغير من كل الممارسات التقليدية التي ساهمت في تجهيلنا، وأن نسمح لأنفسنا بأن نتقبل التغيير ونتخذه منهجًا يسلكه كل عقل عربي عاقل.

لذلك كنت أقول دائما، بأن الحقيقة الوحيدة التي تعلمناها في مدارسكم الممنهجة والمستهدفة هي أن الشعوب العربية شعوب ثورية لا تقبل الظلم على نفسها ولا على غيرها، وأنا جد متأكد بأنكم سوف تندمون على ذلك، لأنكم عرفتمونا بماهيتنا وجوهرنا وحقيقتنا. سنتحرر اليوم أو غدا، سنتغير اليوم أو غدا، هذا لا يهم، فالأهم أن يحصل التغيير في آخر المطاف، وأن يكون كل واحد منا مستعدا لكي يلعب دوره على أكمل وجه في عالم مدني ذي سيادة قانونية يكون الشعب هو الطرف الأقوى فيها.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد