شعار طالبان في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية

بعد 18 عامًا من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، رفعت طالبان شعار «انتصرت المقاومة»؛ فحركة طالبان هي التي شكلت الحكومة التي تولت حكم أفغانستان وأعلنتها ولاية أفغانستان الإسلامية، قبل الاحتلال الأمريكي لها، إذ زعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها أنهم يدعمون تنظيم القاعدة المتسبب في أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001.

فقد عقد الشهر الماضي مفاوضات سلام في العاصمة القطرية الدوحة استمرت ستة أيام بتنسيق ورعاية السفير زلماى خليل زاد سفير أمريكا السابق بأفغانستان ومستشار وزارة الخارجية الأمريكية بشأن أفغانستان، وكانت الأطراف المشاركة في تلك المفاوضات مقتصرة على الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، وبتجاهل واضح للحكومة الأفغانية، ويبدو أن هذا التجاهل أثار حالة من الغضب في الأوساط السياسية داخل الحكومة، وظهر ذلك في تصريحات وزير الداخلية الأفغاني أمر الله صالح (1)، واصفًا المحادثات بالمعيبة، واتهم السفير خليل زاد بأنه يتجاوزهم في عملية التفاوض، ورأى أن هذا ضر مصالح بلاده والولايات المتحدة على السواء، وصرح أيضًا بأنه لا يوجد تنازل واضح من قبل الطالبان، ولا حتى تسهيلات ملموسة تبديها من جانبهم، إذ لم يوافقوا على عملية السلام من قبل، ولكنهم يطالبون بالاعتراف بحكومتهم الميتة، كما وصفها، ومن الواضح أن هذا الاعتراف يؤكد على قوة القرار السياسي لحركة طالبان، الذي حذر منها صالح، وأنها تمت بتجاهل مشاركة الحكومة الأفغانية فيها، ويتردد أن عدم مشاركة الحكومة كان بطلب من طالبان نفسها، وذلك يؤكد فطنة الإدارة الأمريكية بالوزن النسبي لحركة طالبان في أفغانستان، إذ صرح صالح بأن الحكومة الأفغانية أوضحت للمبعوث الأمريكي خليل زاد أنه مكلف بتمثيل بلاده فقط، وليس الشعب الأفغاني والحكومة الأفغانية.(2)

ويبدو أن هذه المحادثات ليست الأولى من نوعها؛ ففي تصريح لبارنيت روبين، وهو دبلوماسي أمريكي سابق وساعد في فتح مفاوضات سرية مع حركة طالبان في الأعوام 2007- 2010-2011، إذ قال إن الحكومة الأفغانية ستنضم قريبًا إلى عملية المفاوضات، وسوف يشاركون لاحقًا في الترتيبات الأساسية في أفغانستان، كما سيكون لهم مطالبهم الخاصة حول انسحاب القوات الأمريكية، ووافقه في هذ الرأي عمر الصمد السفير الأفغاني السابق في فرنسا وكندا.

ومن الواضح من عقد هذه المفاوضات أن الإدارة الأمريكية قد انهزمت في معركتها في أفغانستان مع طالبان، وندلل على ذلك بتفاوضها مع قيادات حركة طالبان، والتجاهل الكامل لباقي المكونات السياسية للدولة الأفغانية وعلى رأسهم الحكومة الأفغانية، ولذلك يبدو الأمريكان أنهم كانوا في حالة غضب شديد عندما أعلنت الإدارة الأمريكية مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر أن الهدف الأساسي من معركة أفغانستان هو القضاء على حكومة طالبان وإذ يظهر وبوضوح أن الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش الابن لم تنطلق في تحديد هذا من دراسة عميقة ودقيقة لحركة طالبان والمجتمع الأفغاني، وإنما انطلقت من حالة هستيرية جعلت موقفها يفتقد إلى أهم وأكثر قواعد عمليات اتخاذ القرارات العسكرية التي يجب اتباعها.

فقد مر على الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وإعلان الحرب على حكومة طالبان أكثر من 18 عامًا، وها هي الآن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب الجمهوري تعلن المفاوضات مع التنظيم الإرهابي، كما وصفته، والذي قالت إنها جاءت من أجل القضاء عليه.

ففي معركة أفغانستان حشدت وأعدت الإدارات الأمريكية الثلاث من جورج بوش مرورًا بباراك أوباما، انتهاء بترامب، إذ تنوعت هذه الإدارات بين الجمهوريين والديمقراطيين كل ما أتيح لها من عوامل القوة الذاتية منها والمستعارة، واعتمدت على تفعيل وفتح كل الجبهات الممكنة وبمساعدة حلفائها مثل إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا وغيرهم، رغم استثنائهم من عملية المفاوضات التي تجري الآن، فشملت الجبهات التي فتحتها الإدارة الأمريكية في حربها في أفغانستان «عسكرية، وأمنية، وإعلامية، واقتصادية، واستخباراتية» وأسمتها بالحرب الشاملة على طالبان، ولكن يبدو مع كل هذا الحشد أن الإدارة الأمريكية لم تحقق شيئًا من أهدافها وهي القضاء على طالبان، وفي المقابل أثبتت طالبان بتبنيها خيار المقاومة لهذا العدوان نجاحها في صده بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة، ورغم الفوارق الكبيرة والتحالف الدولي والإقليمي عليها.

وتتجلي صور نجاح الطالبان في تبنيهم خيار المقاومة للحفاظ على الدولة والشعب؛ ففي الهجوم الأول للأمريكان انسحبت الطالبان من مواقع الحكومة، إذ لم تكن تهدف من انسحابها من المناطق والمدن الرئيسية في عموم أفغانستان إلى صور من صور الانهزامية، بل كان القصد منه تخفيف الضغط على المدنيين العزل، ويمكننا القول بعد هذه الحرب، والتي استغرقت 18 عامًا، أن طالبان ما زالت موجودة ولم تنل الحرب من المقاومين شيئًا يستحق الذكر، إذ أعادوا تنظيم أنفسهم وترتيب صفوفهم لتتناسب مع المقاومة الطويلة المدى وفقًا لاستراتيجيتهم العسكرية، التي اتبعوها مسبقًا مع الاتحاد السوفيتي، ومرشدين إمكانياتهم الضئيلة وتنميتها واستخدامها في مواطنها الصحيحة، والتي أنتجت هذا الوضع اللائق بالشعب الأفغاني البطل، والذي خرج منه هؤلاء المقاومون للإمبريالية الأمريكية.

فلم تكن أمريكا تعلم، أو تغافلت، مع الحالة الهستيرية التي انتابتها واتخذت فيها قرار الحرب على الأفغان أن الشعب الأفغاني شعب مقاوم بطبعه، وأنهم اعتادوا على هذا الوضع أصلاً وعندهم خبرة كبيرة وعالية قد تراكمت عبر تجربة طويلة، جعلتهم يعلمون بكيفية تحويل الأوضاع لصالحهم، مهما كانت قوة الخصم، وتجربتهم مع الاتحاد السوفيتي خير دليل.

وتتجلى حقيقة هذا التفسير أن المقاومة قد انتصرت، والأحداث الأخيرة التي تشهدها الأروقة السياسية للأمريكان والطالبان على أرض الدوحة هو خير دليل على التصعيد العسكري المستمر للمقاومين الأفغان على مدى 18 عامًا، إذ شهدت هذه الفترة تصعيدًا عسكريًّا، كمًّا وكيفًا، لمواجهة الاحتلال الأمريكي، فلم تخل مدينة من المدن الأفغانية من تلك العمليات العسكرية للمقاومين من الشعب الأفغاني ضد القوات الأمريكية، في كل الأراضي الأفغانية، حتى العاصمة كابول، التي توجد بها القوات الأمريكية بشكل مكثف، وبالإضافة إلى أنها المركز الرئيسي لقيادة العمليات ضد طالبان، ورغم التعتيم الإعلامي الشديد على مدى طويل من الزمن بعدم تغطية أخبار المقاومين من طالبان، إلا أنهم استطاعوا، وبوسائل بسيطة، واستخدام شبكة الإنترنت، وإنشاء المواقع الإلكترونية، التي تعد المنصات الإعلامية شبه الوحيدة التي تربطهم بالعالم الخارجي، فإن المتتبع لموقع حركة طالبان يرى أنه لم يخل يومًا إلا بوجود عمليات ضد القوات الأمريكية حتى صارت هذه العمليات معروفة عند الجميع، رغم قوة التعتيم الإعلامي الشديد وسياسات التحيز للكثير من المنابر الإعلامية التي يوجد لها مراسلون في أفغانستان.

وبالإضافة إلى عدم قدرة الإدارات الأمريكية الثلاث تثبيت ركائز ودعائم الحكومة الأفغانية التي جاءت مع الاحتلال، بعد كل هذه المدة من الزمن؛ إذ يظهر من خلال متابعة الأحداث أنه رغم كل الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، فإن الحكومات التي تولت إدارة الدولة الأفغانية بعد الاحتلال الأمريكي، ورغم تغيرها أكثر من مرة لم تحقق شيئًا مما وعدت به الشعب الأفغاني سواء على المستوى الأمني والعسكري والاقتصادي، حتى إنها لم تحقق السيطرة على عاصمتها كابل، والتي تنتشر فيها القوات الخاصة الأفغانية والأمريكية، فضلاً عن تحقيق السيطرة كاملة على التراب الأفغاني.

ويرى الكثير من المراقبين والمتابعين للقضية الأفغانية فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها في أفغانستان، بل أقحمت المنطقة كلها في دوامة من الصراع معها، ولقد فطنت الإدارة الأمريكية الحالية لهذه المعادلة، وهي تحاول أن تعيد ترتيب أوراقها بالتفاوض من حركة طالبان بشكل مباشر هذه المرة، رغم وجود مفاوضات سرية مسبقة كما ذكرت، وبذلك نستنتج أن المقاومة انتصرت وأثبتت طالبان بما وصلت إليه للجميع أن تبني خيار المقاومة لحركات التحرر الوطني يعد خيارًا حقيقيًّا وفعالاً ومؤثرًا لتنال الشعوب حريتها وكرامتها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد