ربما ينسحب الفهم تلقائيا عند ذكر المقاومة إلى ( سلاح وعدو) وهو في الظن الخاص صحيح وفي الظن العام قاصر جداً! فنعم المقاومة هي مقاومة العدو، أي عدو، وطريقة المقاومة هي السلاح، أي سلاح، لكن قصر ذلك على محتل يقاوم على أرض ليست أرضه هو ظن قاصر.

 

والمقاومة في بعض تعريفاتها هي: صُعوبة تواجهُها قوَّة معيَّنة. فمقاومة التجربة هي: المعارضة ورفض الخضوع لإرادة الغير. ومقاومة الهواء: هي القوّة التي يقابلها جسم متحرك في الهواء. وفي علم النفس المقاومة هي: معارضة غريزيّة لأيَّة محاولة لنقل موضوع من اللاّشعور إلى الشُّعور. إذا، المقاومة تعني وجود صراع، والصراع قد يكون نفسيا أو مجتمعيا، إقليميا أو عالميا.

وبالطبع يختلف شكل المقاومة حسب نوع الصراع.وتتوقف المقاومة من عدمها على “النفس” في الدرجة الأولى والأخيرة، فقبول النفس للاحتلال يعنى عدم مقاومته وقبول النفس للظلم يعني عدم مقاومته وقبول النفس للمعصية يعني عدم مقاومتها.

 

والمقاومة لها أشكال مختلفة بداية من الرفض الداخلي “النفسي”، حتى مع عدم القدرة على التعبير عن هذا الرفض، انتهاءً إلى حمل السلاح في وجه العدو. إذا فيجب على من يريد المقاومة تشكيل حصن داخلي أولي رافض وباغض للوضع الذي يراه معوجا أو مقيدا للقيم التي يرى أنها يجب أن تنطلق وتنتشر أو تنفذ، لأنه يعلم أن من لم يبغض بقلبه لم ينكر بلسانه!!

 

ثم مرحلة حديث النفس والحلم بالتغيير المنشود سواء كان هذا الحلم حبيس الصدر أو حبيس الجلسات الخاصة أو يخطط له على الأرض وتُتخذ من أجله خطوات تنجح مرة وتفشل أخرى أو تنجح مرة وتفشل مرات.

والمقاومة تعني الخط الطويل أو الطريق الطويل نحو التغيير، فمن يقاوم المرض عليه أن يصبر على العلاج لأنه يعلم أنه يجب أن تنشط وسائل الدفاع الداخلية للجسد “المناعة ” فيبدأ الجسد مرحلة الدفع والمقاومة للوصول إلى مرحلة الشفاء أو التعافي.

وكذلك المقاومة من أجل التغيير السياسي أو الحربي أو النفسي أو المجتمعي، يجب على من يقاوم أن يعي جيدا أن التغيير ممكن وأن القواعد يمكن أن تكسر وأن المستحيل كلمة تطلق على مفردات وأفعال محدودة يستحيل بالفعل أن يقوم بها إنسان، مثل الجمع بين الليل والنهار في وقت واحد.

 

أن المقاومة تعني وجوب وجود (فكرة، ورموز تطرح الفكرة، وفريق مؤمن بالفكرة، وجمهور يريد تطبيقها). يواجهه ( جمود، له رموز وقيادات، وفريق منتفع بهذا الجمود، وجمهور مؤيد لهذا الجمود ) بينهما جمهور يخاف من التغيير أو لا يحبه.

 

ويجب على المقاوم أن يعلم أنه:

قليلون هم الذين يحملون المبادئ، وقليل من هذا القليل الذين ينفرون من الدنيا من أجل تبليغ هذه المبادئ والقيم. وقليل من هذا القليل الذين يقدمون أرواحهم ودماءهم من أجل نصرة هذه المبادئ والقيم. فهم قليل من قليل من قليل. وهؤلاء القليل دوماً هم أهل التغيير وصناعه.

 

وأدوات التغيير كثيرة، ولا يمكن قصر التغيير على وضع واحد أو على تجربة واحدة، بل إن كل التجارب الناجحة يمكن تطبيقها بشرط القدرة والكفاءة، في جود حاضنة شعبية للقضية وأصحابها.

 

وأنه على من يقود المقاومة أن يعي أنه ليس لكل الناس قدرة واحدة على نفس العمل أو التحمل، فالناس جد مختلفين.

 

وأنه يجب الاستفادة من كل أحد يريد التغيير أو يحلم به، الجبان منهم والشجاع، الغني فيهم والفقير. وأن الحاضنة الشعبية هي المرحلة قبل الأخيرة من التغيير الشامل، وأنه لا يمكن أن نقبل بالحاضنة التي قيل فيها أن قلوبهم معك وسيوفهم عليك.

 

وأن الحاضنة الشعبية هي نتاج حركة المقاومة الفكرية والسياسية والمسلحة مجتمعين كانوا أو متفرقين. وأن الحاضنة الشعبية هي المعبِّر الأساسي عن الحراك الناجح، وأن الحاضنة الشعبية هي القوى الناعمة الفعالة في مواجة السلطة القمعية أو طرد محتل أو التغيير المرجو. والحاضنة الشعبية ليس ضروريا أن تكون أغلبية الناس؛ لكنها الشريحة الكبيرة التي يمكن أن تشكل اتجاها مغايرا لما عليه الحالة العامة.

 

تجارب مقاومة

كما قلنا سابقا، المقاومة ليست طريقة واحدة، وكذلك ليست أداة واحدة، ودائما كان هناك التغيير السلمي أو اللا عنفي والتغيير المسلح، وقد يكون أحدهما ممهِدا لصعود الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد