ارتبط مصطلح «الشرعية الدولية» في العصر الراهن بتأسيس هيئة الأمم المتحدة، بالتزامن مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945. غني عن القول أن طبيعة وشكل النظام الدولي المتشكل آنذاك، قد عكس رؤى ومكانة ومصالح الفريق المنتصر في تلك الحرب (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا والاتحاد السوفييتي)، الأمر الذي تجسد بوضوح في سياسات ومواقف وقرارات هيئة الأمم المتحدة. من المهم الانتباه إلى أننا كفلسطينيين وعرب ومسلمين نتشارك مع غيرنا من الأمم طرف المعادلة الآخر، ذلك المنهزم والضعيف والخارج عن دائرة التأثير في السياسات الدولية. وهكذا فإن المصطلح قد تقرر في سياق يسود فيه الغرب الاستعماري، وحليفه آنذاك الاتحاد السوفييتي سياسيًا وثقافيًا وعسكريًا.

يتألف مصطلح «الشرعية الدولية» من شقين؛ مفهوم «الشرعية» ومفهوم «الدولية»، ما يتعلق بالأول فإنه يعني شرعية القرارات والإجراءات والسياسات، وقد استند ذلك لعامل القوة فحسب كمصدر منشئ لتلك الشرعية، بمعنى أن من يملك القوة من أعضاء النظام الدولي، ويستطيع تبعًا لذلك فرض ما يريد على الآخرين، فإن سياساته ومواقفه تكتسب شرعية مكافئة. في المقابل، لم يحظ مبدأ الإنصاف والعدالة بصفة مرجعية، تؤهله لأن يكون أحد مصادر الشرعية المزعومة، وقد نتج عن غياب مبدأ العدالة الذي يشكل معادلًا لمبدأ القوة، اختلال سلبي واضح في منظومة السياسة الدولية، وما يصدر عنها من مواقف وقرارات، وقد انعكس ذلك في صور كثيرة من الظلم والعدوان، وقد مثلت قضيتنا الفلسطينية أحد فصوله.

وهكذا ظلت «الشرعية الدولية» محكومة بمبدأ توازن القوى، وهو ناجز بالفعل بين مجموعة قليلة العدد من الدول، وعليه فإن من يقع خارج معادلة التوازن هذه، يسقط تلقائيًا من دائرة الاهتمام، ومراعاة المصالح لأنه ضعيف لا حول له، ويقع خارج الاعتبار بالنسبة للقوى الكبرى المتنفذة، ويشكل هؤلاء أكثرية واضحة على مستوى العالم. أما مفهوم «الدولية»، فيعني أن الشرعية تتمتع بالصفة الدولية، ويمكن في الواقع أن تكتسب الشرعية هذه الصفة عبر زاويتين، تتحقق الأولى من خلال جريان سلطانها على المستوى الدولي، وهذا أمر واقع بالفعل، ولكنه يستند لعامل القوة والقهر والعدوان، الأمر الذي يقدح في سلامة الشرعية المكتسبة من هذه الزاوية؛ أما الثانية فتتحقق من خلال المستوى التمثيلي الدولي، وهو أمر غير متحقق البتة على أرض الواقع، إذ إن التمثيل يقتصر فحسب على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن «الدولي»، وبالتالي فإن مفهوم «الدولية» يعكس حالة مجازية أكثر منها حقيقية، ذلك أن كل المؤسسات التي تنتحل الصفة الدولية، لا تعكس في الواقع الرؤى والمواقف والمصالح المشتركة لأعضاء النظام الدولي ككل، وإنما تراعي مصالح الدول النافذة فيه فقط.

من الواضح أن ما كان يعرف بدول العالم الثالث وضمنها العرب والمسلمون جميعًا، لم يشاركوا في صياغة المرجعيات التي انطلقت في ضوئها قرارات «الشرعية الدولية»، فضلًا عن أن تكون ممثلة في الدائرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة «مجلس الأمن»، ولهذا فإن مصطلح «الشرعية الدولية» يبدو معيبًا وناقصًا وتضليليًا، وفقًا لمنظور أي نظام سياسي يقع ضمن تقسيمات العالم الثالث، وذلك من جهتي الشرعية والمستوى التمثيلي الذين تدعيهما سواء بسواء.

إن أبرز قرارات «الشرعية الدولية» على الإطلاق تتمثل بتلك التي نشأ بموجبها الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين، وقد عكست تلك القرارات إرادة النظام السياسي المهيمن بصفته المشار إليها، وعليه فإن من انتحلوا الصفة الدولية (تدليسًا) هم شركاء مباشرون في الظلم والعدوان الواقع على الشعب الفلسطيني، منذ ما يزيد على سبعة عقود، ذلك أن قرارات «الشرعية الدولية» هي التي وفرت الغطاء لتهجير الشعب الفلسطيني، وإخراجه من أرضه وسلب ممتلكاته، بصورة تؤكد على أن الشعب والقضية الفلسطينية، كانا ولا يزالا ضحية لتلك القرارات.

ثمة لونان مما يسمى قرارات «الشرعية الدولية»، لون يخدم الاحتلال الإسرائيلي ويشرعن وجوده، وهذا أضحى قانونًا ساريًا في أرجاء المعمورة، ولا يملك أحد تجاوزه، لأنه مسنود بقوة القهر والإكراه التي يملكها النظام السياسي الدولي، وقد أسست تلك القرارات لنشوء المظلمة الفلسطينية، وأبقت عليها جرحًا مفتوحًا إلى أن يتشكل واقع مغاير، يزيل أثر تلك القرارات بقوة الإكراه مثلًا بمثل؛ أما اللون الثاني فتم من خلاله الإشارة لبعض حقوق الشعب الفلسطيني، وقد استحال إلى مجرد حبر على ورق منذ إنشاء الهيئة الأممية وحتى اللحظة، لأنه ما من مصلحة للنظام الدولي في رفع الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، وهذا يعني عمليًا إغلاق الطريق أمام الشعب الفلسطيني الساعي لتحقيق آماله، واسترداد بعض حقوقه عبر القرارات المشار إليها. وفي هذا السياق، فإن النظام الدولي القائم على الظلم والقهر، لم يفعل شيئًا لإلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ أحد القرارات الصادرة عن «الشرعية الدولية»، والتي تعد بالعشرات.

يفيد ما سبق أن العلاقة العضوية بين قرارات «الشرعية الدولية» وقيام إسرائيل، تحتم أن يستبطن النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي نضالًا ضمنيًا ضد ما يسمى بالشرعية الدولية، تلك التي فرخت الاحتلال في فلسطين، استنادًا لمبدأ القوة والأحادية والظلم.

في ضوء ما تقدم، فإن طلب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من حركة حماس الاعتراف بكل قرارات «الشرعية الدولية» كشرط مسبق للجلوس معها للبحث في أمر المصالحة الفلسطينية لا يعد مفهومًا، بل وغريبًا وإشكاليًا، وينطوي على مفارقات عجيبة. وهذا يستدعي السؤال عن الصفة التي ينطلق منها وهو يتقدم بطلبه هذا؟ وهل شارك مثلًا هو أو أي من ممثلي العرب والمسلمين في صياغة تلك القرارات، وراعى من خلالها مصالح الشعب الفلسطيني؟ فإن كانت الإجابة بلا! وهي كذلك حقًا! فلماذا يريد لتلك القرارات (الاستعمارية) أن تكون محددًا ومرجعًا للعلاقة الداخلية الفلسطينية الفلسطينية؟

وهل تقدم لإسرائيل بطلب مشابه، وهو الذي فاوضها على مدار ثلاثة عقود من فوق الطاولة، وحاول الاتصال والتواصل معها لعقدين آخرين سابقين من تحتها؟ وهل التزمت إسرائيل بالقرارات الصادرة عن «الشرعية الدولية» التي حاول بعضها وضع حدود لتغولها على الشعب الفلسطيني»؟ بل هل التزمت إسرائيل بالاتفاقيات التي وقعتها مع عباس نفسه عبر أوسلو وما تلاه؟

وطالما أن قرارات «الشرعية الدولية» «بنت ناس» وأضحت مطلبًا ملحًا، فلماذا وقعت حضرتكم على اتفاق أوسلو الذي جاء ضمن سقف أقل بكثير مما أقرت به بعض تلك القرارات من حقوق للشعب الفلسطيني، كقرار التقسيم مثلا؟ ألم يصبح مفهوم «الشرعية الدولية» – على عيوبه – فاقدًا للتسويغ المنطقي بسقوط مبدأ توازن القوى مع انهيار الاتحاد السوفييتي قبل ثلاثة عقود من الزمن، والذي شكل أساسًا ومبررًا لائتلاف «الشرعية الدولية» إياها؟ ثم ألا تكفي كل التحولات الجارية في المنطقة والعالم، والانزياح المستمر في ميزان القوى الدولي، لغير صالح الجهات التي سهرت على إنجاح المشروع الصهيوني، ولم تزل تمده بأسباب البقاء حتى اللحظة، لاعتبار أن قرارات «الشرعية الدولية» التي أسست وجود وبقاء الاحتلال باتت قديمة وبلا قيمة (كادوك)؟

هل يعقل أن يقوم رئيس السلطة الفلسطينية بدعوة فصيل فلسطيني يقع تحت طائلة التضييق، والعدوان والحصار محليًا وإقليميًا ودوليًا، على مدار 15 عامًا، بالاعتراف بالقرارات الدولية التي قننت احتلال فلسطين، في الوقت الذي يصرح فيه رئيس وزراء الاحتلال بينيت بأنه لا سلام ولا دولة للفلسطينيين بل تحسينات اقتصادية؟ ولأجل ماذا؟ لأجل طي صفحة الانقسام الفلسطيني! هذا يعني أن الانقسام الفلسطيني من جهة، وحصار غزة من جهة أخرى ذو أبعاد دولية واضحة، وأن الموضوع لا يخص طرفين فلسطينيين افترقا في لعبة السياسة فحسب، وأن المسؤول عن هذا الواقع هو الطرف الذي يعتبر أن قرارات «الشرعية الدولية»، وسقف السياسة الذي يقرره النظام السياسي الدولي، يشكل محددًا ملزمًا لطبيعة العلاقة مع الاحتلال من جهة، والعلاقات البينية الداخلية من جهة أخرى.

من الواضح، أن مطلبًا كهذا يندرج ضمن المحاولات الحثيثة لتغيير الوعي الجمعي لشعبنا الفلسطيني، وحمله على تغيير روايته للصراع، ونظرته للاحتلال، وقبول روايته للصراع، الأمر الذي يعني ترذيل وإدانة مسيرة النضال، والمقاومة الفلسطينية في الماضي والحاضر والمستقبل. كما يهدف ذلك لتغيير طبيعة الصراع المستعصي على الحل التفاوضي ليصبح مستجيبًا له، لا على قاعدة إحقاق الحقوق الفلسطينية، بل على قاعدة تغيير الوعي والذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، وبنجاح هذه المساعي فإن حل القضية الفلسطينية لا يستدعي إنهاء الاحتلال، بل القبول به كما هو، والتعايش معه، وتكييف المطالب الفلسطينية مع الواقع الذي يفرضه على الأرض بقوة السلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد