امتلاك الموارد الطبيعية قد لا يعني العيش الرغيد، بل على العكس قد تكون هذه الموارد سببًا في فقرك إذا لم تستثمر استثمارًا صحيحًا.

وها هي فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفط في العالم، وشعبها البالغ عددهم 30 مليون نسمة، يعاني من الفقر والتشرد؛ إذ أصبح الاقتصاد خانقًا، والتضخم وصل إلى درجات غير مسبوقة، إضافة إلى النقص الحاد في الضروريات الأساسية كالغذاء والدواء، كل ذلك دفع الملايين من الفنزوليين إلى ترك البلاد، والهرب خارجها طلبًا للعيش، فالإحصائيات تشير إلى أن نحو مليون فنزويلي قد فر إلى كولومبيا وحدها، إضافة إلى الآلاف منهم في بلدان أمريكا الجنوبية، وزادت الأوضاع سوءًا في عهد مادورو؟

مادورو هو سياسي فنزويلي شغل منصب وزير الخارجية، إضافة إلى أنه أصبح نائب رئيس فنزويلا السابق هوغو تشافيز، وانتخب رئيسًا للبلاد في انتخابات عام 2013، وانتهج السياسات السابقة لتشافيز نفسها؛ فبقي الاقتصاد ريعي يعتمد على النفط فقط، ولم يستثمر ارتفاع أسعار النفط في تطوير المصانع، وفتح مجالات يمكن الاعتماد عليها دون النفط الذي أدى انخفاض أسعاره إلى ركود حاد، جعل سعر فنجان القهوة يعادل شراء منزل قبل 15 عامًا.

وبسبب تلك الأوضاع تراجع المستثمرين عن الدفع بأموالهم إلى فنزويلا، ولمعالجة ذلك اتجهت الحكومة إلى طبع المزيد من أوراق العملة، الذي أدى إلى تراجع قيمتها أكثر، وزيادة التضخم بشكل كبير، واتجهت الحكومة بعد ذلك إلى إزالة خمسة أصفار من العملة، بوصفه حلًّا للمشكلة التي زادت رغم رفع الأصفار، واستمر الحال على ما هو عليه، والجمعية الوطنية (البرلمان) والمعارضة لا يستطيعان فعل شيء، كون السلطات الأمنية موالية لمادورو الذي انتخب في 2018 رئيسًا للبلاد بولاية ثانية، وقاطعت المعارضة الانتخابات، واعتبرت الدول الأوروبية أن التزوير كان يشوبها. ومع تفاقم الأزمة وتوتر الأوضاع السياسية في البلد، أعلن رئيس الجمعية الوطنية خوان غواديو أنه رئيس للبلاد بالوكالة، بعد ثلاثة أسابيع من انتخابه رئيسًا للجمعية، وسارعت الولايات المتحدة بدعمه عبر تغريدة نشرها ترامب على صفحته في تويتر، معلنًا أن فنزويلا عانت كثيرًا في ظل الحكومات السابقة، وأعلن اعترافه بغواديو رئيسًا للبلاد، وبدعم ترامب له تحول غواديو من شخص مجهول إلى رمز للثورة والحراك ضد مادورو.

غوديو هو زعيم حزب الإرادة الشعبية الذي أسسه بوصفه حزبًا معارضًا عام 2009، ودخل الانتخابات وأصبح نائبًا في الجمعية الوطنية عام 2011، وأصبح رئيسًا لها في يناير (كانون الثاني) 2019.

بالتالي أصبح في البلاد رئيسان، وكل منهما يدعي أنه الرئيس الشرعي للبلاد، فمادورو والجهات الداعمة له داخليًّا المتمثلة بالجيش، وخارجيًّا أبرزهم روسيا والصين وتركيا والمكسيك، معتبرين أنه الرئيس الشرعي كونه جاء عن طريق الانتخابات، منتقدين تدخل الولايات المتحدة الأمريكية، فروسيا الحليف القوي لفنزويلا اعتبرت إزاحة مادورو من السلطة عملًا غير قانوني، بحسب ما نقلت وكالة أنباء إنترفاكس عن رئيس مجلس النواب الروسي، فياتشيسلاف فولودين، كما أكد سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت الخميس، أن بلاده ستدعم فنزويلا لحماية سيادتها وضمان عدم التدخل في شؤون البلاد المحلية، وطالب واشنطن بالتصرف بشكل واضح، واعتبر أن أي تدخل عسكري أمريكي في فنزويلا سيكون سيناريو كارثيًّا من شأنه خلخلة التنمية في أمريكا اللاتينية.

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عبر عن دعمه لمادورو في اتصال هاتفي بحسب الرئاسة التركية.
ووفق إبراهيم كالين المتحدث باسم الرئاسة، فإن أردوغان قال لمادورو: «أخي مادورو، أبق رأسك مرفوعًا، تركيا تقف إلى جانبك».

يذكر أن الرئيس التركي حليف قوي لمادورو، وكان قد أعرب عن دعمه له ضد العقوبات الأمريكية والأزمة الاقتصادية خلال زيارة لكراكاس في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أما غوديو فيعتبر هو وداعموه أنه الرئيس الشرعي للبلاد، كونه رئيس السلطة التي تمثل الشعب، وأبرز مؤيديه: الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والأرجنتين، والبرازيل، وتشيلي، وكولومبيا، وبنما، وبيرو، والإكوادور، وكوستاريكا، وجواتيمالا، وباراجواي، ومنظمة الدول الأمريكية، واعترفت جميعًا بغوايدو رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، إضافة إلى أستراليا وإسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي.

والصراع السياسي قد يتطور إلى تدخل عسكري، كون الأزمة أصبحت عالمية أكثر من كونها أزمة داخلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد