يُقال بأن «الحرب هي كفتح باب غرفة مظلمة لن تعرف أبدًا ما الذي سيحصل عند فتح هذا الباب».

بعد مرور أزيد من ثلاث سنوات على دق طبول الحرب باليمن لايستطيع اليوم أي كان التوقع بكيف ستنتهي وما ستؤول إليه مخرجاتها، أخذًا بعين الاعتبار المد والجزر الذي تعرفه مجريات الصراع بين أطرافه هناك، وتعثر المفاوضات الأممية مرارًا وتكرار في تسوية النزاع. لكن، إذا لم نستطع التنبؤ بما سيحدث فعلى الأقل لنحلل انعكاسات ماحدث؟

بنظرة بسيطة على الخسائر التي تكبدتها أطراف الصراع بالحرب يتضح بجلاءٍ أن الموارد الاقتصادية والعسكرية المهدرة من قبل كل دولة لو استغِلت داخليًا لإصلاح قطاعات حيوية لكان مردودها أفضل بكثير من «حرب لاينتصر فيها أحد»، وحدها الشعوب «المفعول بها» من تخسر الكثير.

لنأخذ قوات «التحالف العربي» بقيادة السعودية على سبيل المثال؛ فرغم الأهداف المعلنة لاستعادة الشرعية والاستقرار باليمن، إلا أن الوسيلة الموظفة لم تكن بنُبل الغاية التي استعمِلت من أجلها أو على الأقل لم تُوظَف بشكل جيد. فالحرب التي تُدار بأموال مواطني دول عربية أكدت بعد ثلاث سنوات أن مساوئها أكبر بكثير من مزاياها، حيث بات اليمنيون اليوم متذمرين وناقمين أكثر من أي وقت سابق على تبعات الحرب الدائرة فوق أرضهم، بعد أن قادت هذه الأخيرة لأكبر أزمة إنسانية يعرفها العالم اليوم.

وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) فإن حرب اليمن أدت إلى مقتل وإصابة ستة آلاف طفل منذ مارس (آذار) 2015، كما أن أكثر من 11 مليون طفل يمني بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، إضافة إلى 1.8 مليون يعانون من سوء التغدية الحاد. وفي بيان حديث، أكدت اليونيسيف أنه كل عشر دقائق يموت طفل يمني بسبب الصراع الدائر هنالك.

ناهيك عن الفقر المدقِع الذي يقتات من دماء العائلات اليمنية التي تعيش على وجبة واحدة في اليوم ولا يعرف معظمها من أين وكيف ستأتي الوجبة التالية. علما بأن على العديد منهم المفاضلة اضطرارا بين الغداء أو الدواء في اختيارين أحلاهما مُرٌ! كل هذا علاوة على الدمار الهائل بالبنية التحتية؛ إذ تسبب في تعطيل خدمات المرافق الصحية التي يعمل منها اليوم أقل من 45% و ال 2500 مدرسة التي تضررت أودُمرت كليًا بسبب الحرب.

أمام كل هذه الأرقام المأساوية والأحداث المفجعة التي يشهدها اليمن -السعيد- يبدو أن المستفيد الأول والأخير من الحرب هي الدول الغربية التي تمد جميع الأطراف بالسلاح مقابل الدولارات والتنازلات. علاوة على إيران التي يبدو أنها ورطت السعودية في حرب استنزاف لملايين الدولارات يوميًا عن طريق الحوثيين؛ بجعل اليمن ڤيتنام السعودية. هذه الأخيرة التي قادت « عاصفة الحزم» تحت غطاء استعادة الشرعية ووقف تمدد الحوثيين، لكن سرعان ما اتضح أن حربها الحقيقية موجهة ضد إيران، أما الحوثيون فمجرد كراكيز يخوضون حربًا بالوكالة عنها.

أما وضعية واشنطن فتبدو انتهازية كعادتها في علاقتها بباقي الأطراف، فاستفادتها أكبر في إطالة أمد النزاع بدل حله؛ فمن جهة ستضاعف أرباح مبيعات الأسلحة باللعب على الوتر الحساس للسعودية (إيران) ناهيك عن شبح خاشقجي الذي يطارد محمد بن سلمان أينما حل وارتحل، ومن جهة أخرى ستستمر في الضغط على إيران واستنزاف مواردها بُغية تقديم تنازلات بالتلويح بِبُعْبُعِ العقوبات الاقتصادية كلما استدعى الأمر.

وبما أن أهل أمريكا أدرى بشعابها لن نجد أفضل مما كتب وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق، هنري كيسنجر، للتعبير عن هذه الانتهازية؛ فمما جاء في كتابه عن الدبلوماسية الأميركية: «إن وظيفة أمريكا ليست أن تحل مشكلات العالم، بل أن تمسك بخيوط مشكلات العالم، فهذا ما يعطيها القوة والمبرر للتدخل في كل المناطق».

ولا غرابة في ذلك؛ فمن كان يحيا بمحاربة عدو ما، تصبح له مصلحة في الإبقاء على هذا العدو حيًا كما قال نيتشه، وبالتالي مزيد من الحرب باليمن.

يقول فقهاء الاقتصاد السياسي: «لا وجود لوجبة غداءٍ مجانية» بمعنى أنه لا يوجد أي شيء مجاني إطلاقا وبالتالي على أحد ما دفع الثمن بطريقة أو بأخرى. وبصياغة مغايرة للمبدأ أعلاه نطرح السؤال الآتي: هل هناك مؤامرة تُحاك أو بالأحرى حِيكت ضد اليمن واليمنيين تحت غطاء الحرب الدائرة فوق أراضيهم لاستعادة الشرعية والاستقرار؟

الجواب هو نعم؛ فمن بديهيات العلوم السياسية أن المؤامرات هي «الخبز اليومي للسياسة الدولية» فما دام تهناك مصالح وصراعات وسباق على النفوذ ونوايا للتدخل، فإن هناك مؤامرات علنية وخفية على كافة المستويات. فلا الرياض ولا طهران ولا واشنطن وغيرها يقدمون هدايا أعياد الميلاد للشعوب التي يستثمرون في حروبها، وعلى رأسها الشعب اليمني. لأن المصالح في السياسة تبقى فوق الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. لكن، على كل من يَدّعي اليوم أنه يدافع عن مصلحة شعب عربي مغلوب على أمره بالحروب القذرة والمزايدات السياسوية أن يخجل من نفسه ويحترم ذكاءنا أو على الأقل.. فليحترم غباءنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد