إثبات إمكان الوحي يكون بالدلائل العقلية القاطعة على ثبوته، وبرد شبهات ودعاوى المنكرين للوحي، وفي هذه الصفحات ستكون البداية ببيان دعاوى وشبهات المنكرين وبعدها سيكون الدلائل العقلية على ثبوت الوحي.

أولًا: إمكان الوحي ورد الشبهات عنه

الذين ينكرون الوحي قد يكون إنكارهم هو ظنهم عدم إمكانه أصلًا، وقد يكون إنكار الوحي مستندًا إلى تكذيب ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون إنكار الوحي مستندًا إلى عدم التميز بين الوحي الحق من الله تعالى إلى أنبيائه وبين بعض الظواهر البشرية، وقد يكون بتفسير الوحي تفسيرًا إشراقيًا، وهذا الإجمال يحتاج إلى تفصيل وبيان حقيقة كل شبهة مع الرد عليها حتى يتقرر إمكان الوحي الإلهي، ثم بعد تقرير إمكانه ودفع الشبهات عنه فيكون تقرير صدق الوحي الإلهي وبيان دلائله العقلية.

1- إنكار الماديين للوحي

المذهب المادي هو المذهي الذي يعتبر الحواس المصدر الوحيد للمعرفة، حيث أنه لا وجود إلا للواقع المحسوس، وكل شيء لا يمكن التحقق من وجوده بطريق الإدراك الحسي المباشر لا يمكن عندهم أن يكون موجودًا، وتبعًا لذلك المعرفة البشرية تكون ضمن المحسوسات، ولا يمكن أن تتجاوز المحسوسات، وبهذا لا يمكن الاستدلال على وجود الحقائق الغيبية.

فيما يتعلق بالوحي فإنهم ينكرونه لأنه حقيقة غيبية لا يمكن التحقق منها بطريق الحواس، ولكن إثبات الوحي لا يتوقف على مجرد الإدراك الحسي، وإنما يتوقف على التميز بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب، حيث النبي الصادق يوحى إليه، وهنا لا بد من إدراك الوحي ذاته والاستدلال العقلي على صدق النبي، فإذا ثبت صدق النبي لزم أن يكون صادقًا أنه يوحى إليه، والنبي الصادق لا يمكن أن يكذب فيدعي أن الله يوحي إليه مع أنه لم يوح إليه.

والحاصل من ذلك أن المعرفة البشرية لا يمكن أن تكون محصورة في المدركات الحسية كما يقول الماديون، بل تستند إلى ضرورة التلازم بين حقائق معلومة وحقائق مجهولة، والرد على الماديين في إنكار الوحي يكون بتقرير إمكان الاستدلال على الحقائق الغيبية، ثم بتقرير الدلائل العقلية على صدق الوحي كما سيأتي تفصيله.

2- دعوى افتراء النبي صلى الله عليه وسلم للوحي

السبب الرئيس في تكذيب المكذبون أن ما يدعي النبي من وحي ليس إلا الافتراء منه على الله، وأن عدم إيمانهم يستند إلى عدم ثبوت الدلالة على النبوة، وأنهم لو ثبت عندهم الأدلة على نبوته لصدقوه واتبعوه.

في زمن الرسول توسل المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم لتبرير هذه الدعوى، وادعوا أن النبي شاعر، وأن القرآن شعر، وادعوا أن الرسول ساحر أو كاهن، وأن القرآن من السحرة والكهان، وادعوا أيضًا أنه مجنون.

الرد على هؤلاء يكون ببيان الدلائل العقلية القاطعة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

3- دعوى الوحي النفسي

يزعم بعض المنكرين أن ما يقوله النبي من رؤية ملك الوحي والتلقي عنه، وسماع صوته، لا حقيقة له بالواقع، وأن جميع ذلك ليس إلا في نفس النبي، والسبب من ذلك شدة اهتمام النبي وطلبه للنبوة، فالنبي ليس كاذبًا، ولكن دعواه ليست حقيقية، والرد عليهم يكون بتقرير صدق النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي تفصيله.

4- التفسير الإشراقي للوحي

التفسير الإشراقي للوحي يستلزم أن يكون الوحي معرفة مكتسبة تصل لمن طلبها بشروطها، حيث لا تكون النبوة اصطفاء من الله تعالى، بل تكون نتيجة جهد بشري ممكنة لجميع الناس: (الفارابي، وابن سينا).

ثانيًا: الأدلة العقلية للنبوة

الدلالة على نبوة الأنبياء السابقين يكون بإثبات نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث إذا أثبتت نبوة سيدنا محمد يكون كل ما جاء به القرآن مثبوتًا، والقرآن بذاته يثبت نبوة الأنبياء السابقين، وأيضًا القرآن هو الوحيد الذي لم يحرف إلى الآن على خلاف باقي الكتب السماوية.

اليقين بثبوت الوحي لا يستند إلى مشاهدة ملك الوحي وهو ينزل بالوحي، أو سماع صوت نجزم معه أنه الوحي الذي يتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم، بل إثبات الوحي وإن لم يستدرك بالإدراك المباشر فإنه يمكن إثباته إلى الأدلة العقلية المقتضية لصدق النبي في دعوى تلقيه الوحي، فإثبات الوحي وإن لم يقم على معرفة حسية مباشرة فإنه يقوم على معرفة استدلالية يقينية.

الاستدلال العقلي للنبوة يكون على أساس أنه ليس كل من ادعى النبوة يكون نبيًا بمجرد دعواه، بل يمكن أن يكون مدعي النبوة متنبأ كاذبًا، والتفريق بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب، إنما يستند إلى أدلة النبوة، فالنبي الصادق هو الذي تدل الأدلة العقلية القاطعة على نبوته، وأما المتنبئ الكاذب فإنما تكون أدلته من جنس ما يأتي به السحرة، كحال الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب.

عندما يعرض النبي رسالته ويقول إنها وحي من الله لكي يبلغها، التسليم لا يكون بالرسالة، بل التسليم يكون بتصديق صاحب الرسالة فيما يرويه من ربه، وأما إذا اعترض معترض على الرسالة الدينية، فذلك ليس لأنه رأى خللًا في منطق التفكير، بل لأنه لم يصدق صاحب الرسالة.

الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم يقوم على البرهان، ولهذا فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب الناس الإيمان به بمجرد أنه ادعى النبوة، وإنما للأدلة القاطعة على نبوته، بل لا يمكن الإيمان بأي مسألة جاء بها الوحي إلا من جهة دلالة العقل على وجوب التسليم بها، إما بالاستناد إلى دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسائل الخبرية المحضة، وأما بما تتضمنه النصوص من الدلالة العقلية على تلك المطالب.

الاستدلال العقلي يكون على ثلاثة وجوه:

1- تضمن الوحي لدلائل نبوته: أي مضمون القرآن هو دليل على ثبوته.

تحدي المكذبين بأن يأتوا بمثل القرآن في بيانه وبلاغته، وهذا هو الذي اختص الله به القرآن عن غيره من الكتب السابقة.

قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. (الإسراء 88).

والفرق بين كلام الله وكلام المخلوق هو مقتضى الفرق بين الله وخلقه، وأساس التحدي هو أن يأتوا بمثل القرآن الذي هو كلام الله تعالى، حيث لا يمكن لمخلوق أن يتكلم بكلام مثل كلام الله تعالى.

الآيات والأحاديث التي تضمنت الأمور الغيبية كثيرة جدًا، والتي تضمنت عن وقوع وقائع بعد آلاف السنين، وفعلًا وقعت، نحن بصدد ذكرها جمعيها هنا لكثرتها.

وأيضًا ما تضمنه الوحي من الأدلة على النبوة مطابقته للكشوف العلمية في جميع المجالات مث الطب والفلك والجيولوجيا وغيرها، حيث إن القرآن بالرغم من أنه كتاب تشريع، إلا أنه تتضمن الكثير من الحقائق العلمية، حيث كشفت عن تطابق تام بين القرآن وبين العلم الحديث.

يقول موريس بوكاي (مقارن أديان) في كتابه دراسة الكتب المقدسة في دور المعارف الحديثة ص 145:

تناولتُ القرآن منتبهًا بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية. لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك، إلا في النص الأصلي. أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه الظاهرة، والتي لم يكن ممكنًا لأي إنسان في عصر محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون عنها أدنى فكرة.

يقول البرفسور في علم التشريح وبيولوجيا الخلية الكندي كيث لمور في مؤتمر الإعجاز الطبي بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض قدم محاضرة بعنوان «مطابقة علم الآجنة لما في القرآن والسنة» حيث قال:

لقد أسعدني جدًا أن أشارك في توضيح هذه الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الخلق في القرىن الكريم والحديث الشريف، ويتضح لي أن هذه الأدلة حتمًا جاءت لمحمد من عند الله؛ لأن كل هذه المعلومات لم تكتشف إلا حديثًا، وبعد عدة قرون، وهذا يثبت أن محمدًا رسول الله.

لقد اكتشف العلماء أيضًا أنه إذا التقى بحران تختلف نسبة الملوحة فيهما، فإنهما لا يختلطان، بل يكون بينهما فاصل يحجز كل منهما على الآخر، وقد أخبر الله تعالى في سورة الرحمن «مَرَجَ البَحرَينِ يَلتقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ». (الرحمن).

2- دلائل المعجزات على النبوة

ما يميز المعجزات بأنها من الأمور المشاهدة التي لا يمكن إنكارها أو الشك فيها إلا بإنكار المعارف الضرورية، والمعجزة هي من الخوارق، وليست سنة كونية جارية أو متعلقة بقدر مخلوق.

قد ادعى المكذبون أن الرسول ساحر، بالرغم وجود فرق شاسع بين المعجزة والسحر، حيث إن السحر ليس من خوارق السنن، بل هو محكوم بالسنن الجارية، لذلك يمكن تعليمه وتعلمه وإبطاله ومعارضته كما حدث مع سيدنا موسى، وعلى هذا يكون الأختلاف بين السحر والمعجزة اختلافًا في الجنس والحقيقة، بحيث لا يمكن أن يكون بينهما التباس.

3- دلائل أحوال النبي وصفاته على نبوته صلى الله عليه وسلم

يمكن أيضًا الاستدلال على صدق النبي بالنظر في أحواله وصفاته، حيث لا يمكن أن يشتبه من عرف عنه الصدق بمن عرف عنه الوقوع في الكذب، فمن المحال أن يتخص بها الله من تكون أحواله مناقضة لمقتضاها، وإنما تكون النبوة لمن اختصه الله بما يؤهله لها، وهذا معنى قوله تعالى: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

والنبي قبل النبوة كان أبعد الناس عن الكذب، وكان معروفًا بالصادق الأمين، بل إن مجرد رؤيته تدل على صدقه ولو لم يعلم الإنسان شيئًا عن أحواله.

فالحق بين، كنجم في السماء لمن أراد أن ينظر إلى النجم بعين الاقتناع، ومن ينظر بعين الهوى سيرى النجم على هواه، وربما يقول عنها رأس طائر في السماء، فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه ويرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد