ترددت أن أرد على مطالبات أحد أغنى رجال أعمال العالم نجيب ساويرس بكسر عملية الحجر الصحي المجتمعي والإغلاق الجزئي للعمل في ظل انتشار وباء وجائحة عالمية غير مكترث لحياة الشعب المصري، لكن بما أنه استدعى السويد – البلد الوحيد في العالم – الذي لم يطبق الحجر الصحي الإجباري والإغلاق الكامل أو الجزئي؛ فأنا مضطر أن أرد، وسوف أدعم كلامي بالمصادر.

قبل أي شيء أحب أن أشارككم تصريح وزير الداخلية السويدية ميكائيل دامبيري: «الأولوية الآن لإنقاذ حياة الناس.. ثم الاقتصاد».

 

أولًا

عدد سكان السويد أقل من 11 مليون مواطن، تقريبًا نفس عدد سكان حي شبرا، وهو جزء من العاصمة المصرية القاهرة، ومع ذلك عدد الإصابات لمن تم فحصهم بشكل رسمي في السويد حتى اليوم 4 أبريل هو 6443 مصاب وعدد الوفيات المعلن بسبب كورونا هو 373.  

وأكتر من 80% من نسب الإصابات والوفيات حصلت  بداية من الأسبوع الثاني من مارس (أذار) 2020؛ ما يعني أن هذا العدد حصل خلال ثلاثة أسابيع فقط، وإليك الإحصاءات الرسمية من هنا.

بالإضافة إلى أن العاصمة ستوكهولم طلبت مساعدة بعض المحافظات المجاورة مثل مدينة (أوبسالا) لمحاولة السيطرة على الأزمة ومواجهة الأعداد المتزايدة بسبب فيروس كورونا، بالرغم من أن عدد سكان ستوكهولم لا يزيد عن مليون مواطن، وهو ما يعادل شارعًا واحدًا من شوارع القاهرة.

ثانيًا:

 السبب الحقيقي أن السويد لم تفرض حظر التجوال والحجر الصحي المجتمعي الإجباري هو أن القانون السويدي لا يتيح للحكومة تقييد حرية الحركة للمواطن السويدي تحت أي ظرف من الظروف واعتبارها من حقوق الإنسان المكفولة بالدستور السويدي، وممنوع المساس بها، إلا بأغلبية مطلقة من البرلمان في إجراءات استثنائية، ولا زال الجدال مستمر بسبب الخوف الكبير من المساس بالحريات الشخصيات؛ مما دفع بالحكومة السويدة إلى الطلب من البرلمان بالسماح لها بمد الإجراءات الاستثنائية لمدة ثلاثة أشهر إضافية وهذا سببه عدم تورط السويد في حرب لمدة تزيد عن 200 عام، والأصل في هذا الأمر هو الحريات الشخصية. وبالطبع هذا المستوى من حقوق الإنسان والرفاهية لن يفهمه رأسمالي نفعي أو سلطوي مستبد.

ثالثًا:

مستوى الوعي الجمعي للمجتمع السويدي مرتفع، خاصة فيما يخص التعامل مع صحتهم في بلد فيها واحد من أقوى أنظمة الرعاية الصحية في العالم، بالإضافة إلى إن الشعب السويدي غير اجتماعي، بل انعزالي بطبعه، فلا داعي لفرض إجراءات استثنائية إذا كان التباعد الاجتماعي حاصلًا بالفعل، وبالرغم من ذلك عدد الإصابات والوفيات مرتفع مقارنة بعدد سكان الدولة.

رابعًا:

 النظام السياسي السويدي بمؤسساته يخرج على الشعب في بيانات وأرقام تصل نسبة الشفافية فيها أكثر من 99٪، وفي هذا الرابط سوف تجد تحذيرات رسمية من خطورة الوضع في السويد، حتى إن رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين كرر ما قاله نظيره البريطاني ونظيرته الألمانية بأن «الآلاف سيموتون وعلينا الاستعداد للأسوأ».

بل إنه كان واضحًا مع الشعب، وقال إن الأزمة ستستمر شهورًا لا أسابيع.

خامسًا:

 السويد أخطرت أغلب موظفيها بضرورة العمل من المنزل، خاصة إنها واحدة من أكبر الدول الرقمية في العالم، ومع ذلك فقطاعات أعمال كبيرة قد تضررت، فأغلقت العديد من الشركات أبوابها وسرحت موظفيها، وبلغت نسبة المطاعم والفنادق التي أعلنت إفلاسها في قطاع الفنادق في مارس فقط هو 123%. وليس الفنادق والمطاعم فقك، لكن أكبر شركة طيران في الدول الإسكندنافية شركة (SAS)  قررت إلغاء جميع الرحلات الداخلية بسبب فيروس كورونا.

كما أن شركة (H&M) سرحت آلاف الموظفين فيها بسبب حالة الركود والتزام السويديين بالحجر الصحي الاختياري، والعديد من الشركات السويدية أبلغت الحكومة أنها لن تستطيع مواصلة العمل في الظروف الحالية مهددين بإعلان إفلاسهم، لكن الحكومة مستمرة في الحفاظ على حياة الشعب كأولوية وحيدة لها.

سادسًا:

أما بالنسبة للشق الاقتصادي المحبب لرجل الأعمال مثل نجيب ساويرس وغيره من الداعين لعودة العمل وسط الوباء العالمي، وهو ما يعني قرارًا بإعدام مئات الآلاف أو ملايين المصريين من أجل الحفاظ على مكاسب اقتصادية فردية لرجال الأعمال دون غيرهم.

نظام التكافل الاجتماعي السويدي يتكفل بدفع 80% من الراتب لمدة عام لمن يفقد عمله. بل إن الحكومة السويدية قررت تخفيض شروط الحصول على الإعانة الاجتماعية لأن حالة البطالة طالت قطاعًا كبيرًا من الشعب.

طالبت هيئة الرقابة المالية السويدية البنوك بتأجيل أقساط القروض لمدة 14 شهر بداية من أبريل (نيسان) 2020، ورحب بهذا الطلب المسؤولون في بنك «Nordea Bank»، وهو أحد أكبر بنوك الدول الإسكندنافية.

وأخيرًا قررت الحكومة السويدية بموافقة أحزاب المعارضة بتدعيم بلديات السويد بملبغ 20 مليار كرونة، وهو ما يعادل أكثر من 35 مليار جنيه مصري لتدعيم البلديات في مواجهة الظروف الاقتصادية الناتجة عن الوباء، وهذا بشكل مؤقت لحين تقييم الموقف لاحقًا: وأحب أن أختم بتصريح وزير الداخلية السويدية ميكائيل دامبيري مرة أخرى: «الأولوية الآن لإنقاذ حياة الناس.. ثم الاقتصاد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد