عقب انتهاء المحاكمات العسكرية في فبراير (شباط) 1968 إثر الهزيمة السياسية والعسكرية التي حدثت لنظام الرئيس جمال عبد الناصر، وصدور الأحكام التي رآها الشعب وقتها غير متناسبة مع حجم الهزيمة، وعدد الضحايا المصريين، وكانت الأحكام من نصيب بعض كبار قادة سلاح الطيران أساسًا، وعلى رأسهم قائد السلاح الفريق أول محمد صدقي محمود؛ باعتبارهم – وكما قدم النظام – هم المسئولون بشكل أساسي عن الهزيمة.

كما شملت المحاكمات والأحكام بعض القادة العسكريين الآخرين، ومنهم اللواء صدقي الغول قائد الفرقة المدرعة الرابعة، والتي كانت قبل إبادتها تقريبًا ما بين دفعها إلى سيناء ثم سحبها ثم إعادة دفعها، هي جوهرة الجيش المصري. كانت المحاكمات تهدف إلى امتصاص غضب المصريين، وذلك بالزج بأبرياء في محاكمات عسكرية عن أخطاء سياسية وعسكرية ارتكبها النظام كله، وذلك بتحميل بعض القادة مسئولية الهزيمة، وخصوصًا بعد أن تم قتل قائد عام الجيش المصري المشير عبد الحكيم عامر، في مساء يوم الخميس 14 سبتمبر (أسلول) 1967، وعقب صدور الأحكام التي رأى وزير الحربية وقتها الفريق أول محمد فوزي أن تصدر مجمعة لتشمل كلتا المحاكمتين، والتي كانت أولاهما خاصة بقادة الطيران، والأخرى خاصة بضباط الجيش، فقد اندلعت المظاهرات الشعبية المصرية الواعية لتهتف: لا صدقي ولا الغول؛ عبد الناصر هو المسئول.

تحايل نظام عبد الناصر على هذه المظاهرات التي قتل فيها مصريون أبرياء أيضًا، وقد تصاعد الأمر إلي درجة تجهيز الطائرات العسكرية المروحية لضرب هذه المظاهرات بالذخيرة الحية، لم يكن هذا ماضيًا وانقضى؛ بل ظل بعض منه حيًا كأساليب لدى ذاكرة النظام المصري المتوارث لذات طبيعة نظام الحكم، وقد ظل هذا حيًا أيضًا لدى كثير من المصريين الذين يرون الآن أن نظام السيسي تمادى بأبشع من كل أساليب الرئيس عبد الناصر!

ولكن ما يجريه السيسي الآن من نكسات تتم التغطية عليه بكل أساليب الديكتاتورية العنيفة، ومع اتباع الغلظة والتجبر أكثر من السابق، وهو الأمر الذي يشي بوجود الكثير من الغفلة بالتاريخ، وبالواقع الذي يعيش فيه الكثيرون من المصريين. وكما أفلت صاحب النكسة الأولى من المحاكمة والمحاسبة، يحاول صاحب النكسة الثانية الكبرى الإفلات من المسئولية والحساب، بالرغم من أن نكسة يونيو (حزيران) الثانية وتداعياتها؛ كانت أشد في تأثيرها السيئ علي مصر؛ من نكسة يونيو الأولى (5 يونيو 1967)؛ فقد أضاعت  النكسة الأولى: سيناء والجولان والضفة الغربية لنهر الأردن، إلا أن نكسة يونيو الثانية التي أتت بـعبدالفتاح السيسي كقائد للانقلاب العسكري الجديد، ثم حاكم رئيس لمصر في 8 يونيو (حزيران) 2014 قد أضاعت مصر كلها ومحيطها العربي.

وقد سلم الرئيس السيسي مصر لمخططات أمريكا التي كان مجهزة من قبل، وأعطى هو وعاهل المملكة السعودية وحكام الإمارات العربية المتحدة التسليم الكامل لمخططات الغرب بما في ذلك نهم النهب الاستعماري، والذي حصل بمقتضاه أخيرًا الرئيس الأمريكي ترامب على ما يجعل الاقتصاد الأمريكي يعاود الانتعاش، على حساب ثروة الشعوب العربية وفقط من أجل استمرار الحاكمين في أماكنهم.

وفي ذكرى النكسة الأولى والثانية يواصل السيسي تجريف الدولة المصرية: أرضًا وشعبًا وثروة وحريات ومؤسسات، وانغماسًا في المخططات الأمريكية. كان السيسي دائمًا متهربًا من مسئولياته الحقيقية تجاه أغلبية المصريين، في سبيل طموح خاص وأهداف خاصة، وفي قفزة علي أزمات فشل النظام في إدارة الدولة المصرية، بل مبادرة النظام الحاكم نفسه في صنع أزمات جديدة تزيد حياة المصريين تعقيدًا؛ ليزداد ثقل استمرار السيسي في السلطة بفعل المثقلات الغربية والأمريكية، فإن السيسي يلجأ إلى استعراضات خارج السياق، وخارج جو الأزمات المعيشية التي يحياها المصريون، كما حدث وفعل في يوم 17 مايو (أيار) 2016 أثناء وجوده لافتتاح بعض المشاريع التنموية في صعيد مصر في مدينة أسيوط، كان منها محطة توليد كهرباء كانت تعمل بالفعل قبل ذلك!

وقد قال الرئيس وقتها إنه يعلن دعوة لإحياء مشروع السلام المتوقف ما بين إسرائيل والفلسطينيين. وكان هذا من الرئيس المصري خطوة سبقتها خطوات برعاية أطراف دولية متعددة، أهمهم الولايات المتحدة اﻷمريكية. وقد كان السيسي هنا  يخادع شعبه، فالورق هو الورق القديم، إلا ما كان جديدًا، ويتعلق بالتنازلات المصرية للمملكة السعودية عن الجزر المصرية في خليج العقبة ومقاسمة السعودية خليج تيران.

كانت الدعوة إلى إحياء مشروعات السلام المخادعة مع الشريكين الأساسيين في مشروع الرئيس السيسي، وهما: إسرائيل والسعودية؛ تتجاهل ما يعد من الثوابت الإستراتيجية للدولة المصرية؛ فقد كانت دولة إسرائيل منذ إنشائها وهي الطرح الغربي لدولة مركزية بديلة بنفوذها وتأثيرها لمصر، وتصبح بديلًا لكل من مصر الحضارة والتاريخ، وكذلك تكون بديلًا لـلبنان بوتقة امتزاج التاريخ والأديان والحضارات في الشرق .

وهكذا منذ اللحظة الأولى لإنشاء دولة إسرائيل، كانت الدولة المصرية مستهدفة من الكيان الإسرائيلي الصهيوني، كما كانت مستهدفة من الذين استخدموا المملكة العربية السعودية في إنهاء أي دور لمصر في التأثير في شئون المنطقة، ومنذ حدوث التباعد بين الدولتين: المصرية والسعودية في عام 1957 في محاولات إذابة الجمهورية المصرية وتلاشي تأثيرها في المنطقة العربية وفي الشعوب التي تدين أغلبية سكانها بالإسلام. وهي المحاولات المستمرة منذ تمويل أموال المملكة السعودية للعديد من المؤامرات ضد مصر في مطلع عام 1958، وطوال عهد جمال عبد الناصر ومن بعده أيضًا، وحتي جاء “الرئيس الأمريكي ترامب إلى المملكة السعودية ليدشن مرحلة جعل المملكة السعودية لتكون قاطرة الشرق العربي والإسلامي، بعدما حققت المملكة السعودية نجاحها الكبير مع نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو (تموز) 2015 بالاتفاق السري بين الدولتين وقتها على ترسيم الحدود البحرية والعرض المصري للتنازل للمملكة السعودية عن الجزر البحرية المصرية في مدخل خليج العقبة.
لا أستبق الهجوم علي المشروعات التي دشنها ترامب في السعودية، وفق الطرح الجديد الغامض، والذي مازال سريًا، ولكنه لن يخرج عن المشاريع السابقة، والتي حملها الصهاينة الأمريكيون إلى المنطقة وبشروا بها من قبل. وهنا ما يثير الانتقاد بشدة؛ هو الفردية الشديدة التي يدير بها الرئيس عبد الفتاح السيسي شئون الدولة المصرية، وخصوصًا ما يتعلق بالسيادة المصرية، وفي توقيع ااتفاقيات في أمور مصيرية؛ مثل توقيعه اتفاق مارس (أذار) 2015 مع إثيوبيا حول الوضع الدولي لنهر النيل، وتحويله إلى أن يكون نهرًا إثيوبيًا، والتسليم لإثيوبيا بما لم تكن تحلم به أبدًا من حاكم مصري، ومثل تحريك القوات المسلحة المصرية خارج الحدود المصرية، كما حدث مؤخرًا بالتورط في ليبيا بذريعة معاقبة التنظيمات التي وقفت وراء الاعتداء الإرهابي ضد المواطنيين المسيحيين في صحراء محافظة المنيا.
الرئيس السيسي يجمح ويتسرع في التصرف في أمور ليس من حقه أبدًا التصرف بها؛ سواء بنفسه أو مع وزارته أو مع مجلس الشعب الحالي، فهي أمور تمس حياة كل الشعب المصري، ومن سيأتي من بعد من أبناء هذا الشعب، ولابد أن يكون مصير هذه الأمور وقرارها بيد الشعب المصري كله، وليس وكلاء عنه.
ما يجري حاليًا فالمسئول عنه هو الرئيس السيسي شخصيًا، وهو عبث بكيان الدولة، وعبث بمقدرات الشعب، وهو اﻷمر الذي ستكون نتيجته حتمًا مواجهة ما بين الشعب والسلطة الحاكمة المتترسة خلف الجيش العسكري، وخلف الجيش البوليسي، وهي المواجهة التي سيكون الكل فيها خاسر، وهي المواجهة التي بدأت نذرها بحصد أرواح بريئة في أنحاء مختلفة من أرض مصر، وفي السجون والمعتقلات. وفي تهور النظام السيسي في تقييد غير مسبوق للحريات، لم تعرفه مصر في أسوأ عهودها الديكتاتورية، وفيما أصدره النظام من تشريعات جديدة مكرسة للشمولية ومهدرة لأبسط حقوق اﻹنسان المصري.

لقد قفز الرئيس السيسي إلى الحكم دون برنامج وطني واضح، ومارس الحكم وفق تصوراته في تحقيق مشاريع محلية وخارجية، أصبحت فوق قدراته، وليس في إمكانه تقديم التنازلات بشأنها، وهذا جعله يهدم أركان الدولة ومؤسساتها، فلا القضاء حر، ولا الصحافة تركت بدون تكسير، ولا البرلمان يؤدي عمله على النحو المطلوب، ولا المؤسسة العسكرية في مكانها الصحيح، ولا المنظومة اﻷمنية مسيطر عليها، وتعمل لحماية المجتمع.

والحاصل الآن، وكأن الرئيس السيسي يعمل نحو الدفع بمصر إلى أن تكون أرضًا محروقة إن لم يقبل المصريين بما يفرضه عليهم، وكذلك هو يدفع بمصر نحو انفجار شعبي لن يكون تحت السيطرة، فقد انكشف النظام أمام كثير ممن كان يستخدمهم سابقًا من بسطاء المصريين.
والدعوة الآن موجهة إلى الرئيس السيسي للتعقل والتأني واالتزام بصفوف الشعب، فهذا هو اﻷمن والسلام الحقيقي لكل من يعيش على أرض مصر، كما أنها موجهة إلى عموم المصريين، وخاصة ممن يعملون على أن يستمر الرئيس على ما هو عليه الآن، من اختزال للمصريين في شخصه هو وقراره هو.

وبالرغم من الإخفاق والعجز في إدارة الدولة، فإن عدم الواقعية تبلغ مداها، عندما يتم إغلاق منصب رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية القادمة التي ستجري في 2018 على شخص عبد الفتاح السيسي، ويذهب البعض من آلة النظام إلى طرح دعاية انتخابية مسبقة بأن الرئيس السيسي هو منقذ مصر. وعندما تأتي مثل هذه الدعاية المبكرة والحال على ما هو عليه اﻵن، فإن اﻷمر لا يدعو للدهشة فحسب، ولكن لابد من تصدير التوجس والريبة في هذه الدعاية غير الواقعية، وفيمن يقول بها.
ويطرح البعض اﻵخر من أجنحة النظام قولًا يصوغ معادلة أن السيسي مقابل ااستقرار في مصر، وهذه أيضًا معادلة يشوبها الغرض، والرغبة في ااحتماء بنظام متسلط وفاشل في إنصاف اﻷغلبية من المصريين، وقد عمل لصالح اﻷقلية الثرية، التي مدته ببعض من فائض ما حصدوه من استغلالهم للأوضاع.

وهكذا أوصل السيسي الحال في مصر إلى ما يمكن تشبيهه بأنه أصبح يقود قارب غرق بالفعل الجزء اﻷكبر منه. وفي حالة القارب المصري شبه الغارق هذا؛ أصبح السيسي هو  المسئول عن هذا التدهور في وضع الدولة، إلا أنه لم يكتف بالتسبب في إغراق القارب، ولكنه أيضًا يحتكر قوارب النجاة الصغيرة، بل يحبس هذه القوارب اللازمة للنجاة، ويحتكر توزيعها على اﻷهل والجند والتابعين وأصحاب المصلحة من استمراره في الحكم. وهو ما يشير أيضًا إلى أن النظام يعتمد منهج الديكتاتوريات، في أن النظام قبل اﻹنسان، وفي أن مظهرية الحكم تعلو على وظيفية نظام الحكم، وأن اﻹنفاق على اﻷمن الخاص بالنظام، يفوق أهمية إطعام المصريين وتأمينهم وآمانهم، بل أن المصريين يُحلبون اﻵن من أجل ألا تمس الميزانيات الضخمة والمُجهلة  في اﻹنفاق والمكتم على تفاصيلها من أجل ألا يتم المساس ببذخ إنفاق مؤسسات النظام، التي اقتصر عملها على محاباة أهل السلطة، وليس علي حماية كيان الدولة المصرية، بما جعل المصري اﻵن وعمومًا يعيش الفترة اﻷسوأ، كمواطن على أرض دولته وفي ظل سلطة، من المفترض أنها تمثله وحصلت منه على تفويضات بحماية الوطن من كل مظاهر التهديد.
وأيضًا فإن المستقبل المنظور مخيف في ظل استهانة نظام الحكم وكل مؤسساته بتجويع المصريين وإفقارهم والتجني عليهم باعتبارهم الجانب الذي سيرضخ، وأنهم الجانب الذي يمكن دائمًا استغفاله بالدعاية والتأثيرات العاطفية، فقد كان النظام نفسه هو من توسع في استدرار عواطف المصريين، في الحوادث الإرهابية، بالرغم من أنه الطرف الفاعل بالتقصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد