أيام قليلة وأتم السابعة والعشرين، كنت أكتب كل عام عن تحديات العام السابق وإنجازاته وأحلام العام الجديد. وغالبًا ما تكون التحديات – أو بمعنى أدق – المحاولات الفاشلة والخسارات أكثر من الإنجازات، ولكن أظل آمل أن أحسن التصرف في السنة الجديدة وأحقق شيئًا من أحلامي.

وعندما أقرأ ما كتبت في السنوات الماضية أدرك أني كبرت حقًا، كبرت وأصبحت من أولئك الذين ينشدون السلام النفسي وراحة البال. وأصبحت ممن يجتهدون في تقبل الآخرين – خصوصًا من أحبهم – باختلافاتهم عني حتى تلك التي تضايقني وتؤذيني، ولم أعد أرغب في تغييرهم كما كنت وأنا أصغر. وأصبحت العلاقة المثالية بالنسبة لي ليست تلك التي تسبب لي أكبر قدر من السعادة، بل تلك التي تجنبني أكبر قدر من الألم. ولم أعد أرغب في اكتساب علاقات أو صداقات جديدة، بل الحفاظ على علاقاتي وصداقاتي الحالية؛ لأني لم أعد أستطيع أن أتحمل خسارة جديدة.

وقررت أن أسعى لتقبلي أنا أيضًا، والتوقف عن محاولاتي المستمرة لتغيير نفسي لتلائم الآخرين. وأدركت أن أن أسوأ نصيحة يُمكن أن تتلقاها في مجال العلاقات الإنسانية هي أن تعامل الناس كما يعاملونك، أو كما يستحقون. وأن هذا لا يختلف كثيرًا عن تغيير نفسك لتلائم من حولك. وأن أفضل ما يمكنك فعله هو أن تكون نفسك، وأن تتصرف بنفس طبيعتك وأخلاقك حتى مع أولئك الذين نعتقد أنهم لا يستحقون أو لا يقدِّرون. وأن محاولاتي لأتوقف عن السؤال عنهم لأنهم لا يسألون، أو مهاداتهم لأنهم لا يقدِّرون تصبح أكثر إيلامًا من التعرض لسخافاتهم أو اكتشاف أنهم لم يعبأوا بنا وبحبنا لهم.

وتعلمت أنه يجب أن أجد لنفسي التوازن بين تقبل نفسي كما هي وبين السعي لخيري وخيرها، وأن تقبلي ذلك لو حال بيني وبين أن أكون إنسانًا أفضل، فهو تقبل مزعوم لا خير يُرجى من ورائه. وكذلك أن أجد التوازن بين سعينا للحرية والتخلص من أحكام الناس علينا وبين تقبلنا للنصح والانتقاد وإعادة النظر في المواقف من حين لآخر. وأن تحرُّرنا من أحكام الناس لو حوَّلنا لأناسٍ متعجرفين يرون أنه لا يصح أن يُنصحوا فما هو حقًا إلا قيدٌ جديد فرضناه على أنفسنا؛ لأننا حينها نجعل أحكام الناس هي المتحكم في تصرفاتنا وقبولنا للأمور كما كانت من قبل.

وأدركت أنه لا مفروض في هذه الدنيا إلا ما فرضه الله. فكل شيء بعد ذلك قابل للتغيير وإعادة النظر، وحتى الإلغاء تمامًا. بداية من الدراسة ومرورًا بالعمل وحتى العادات الصحية. وأنه لا يجب أن نضع على قائمة أهدافنا إلا ما نريد تحقيقه حقًا، وما نشعر أن حصولنا عليه سيكون سببًا في سعادتنا. فإذا كنت لا تريد العمل في المجال الذي تعمل فيه حاليًا فليس مفروضًا على الإطلاق أن تستمر فيه لمجرد أنك قضيت عدة سنوات في هذا المجال، وستصبح سنوات ضائعة إذا ما غيرت مجالك. فأنت إذا لم تغير مجالك سيصبح عمرك كله أو معظمه ضائعًا وليست فقط تلك السنوات. وإذا لم يرد ابنك أن يمارس الرياضة، فرجاءً لا تجبره على حضور التمرينات بعد ساعات المدرسة الطويلة، أعلم أن ممارسة الرياضة ستحافظ على صحته مع السن، ولكن الشعور بالضيق والإجبار على ممارستها قد يدمرها الآن، وسيؤثر حتمًا على علاقته بك وذكرياته عنك، وهذا أهم بكثير من أي شيء آخر. وإذا كنت سعيدًا بوزنك الزائد – مع إدراكك لمشاكله الصحية – فليس مفروضًا أن تجبر نفسك على الالتزام بنظام غذائي.

أدركت أننا نضع لأنفسنا قيودًا كثيرة ومفاريض بلا داعي. وليس معنى كلامي هذا أن تستقيل فورًا لأنك لا تحب عملك، ولكن أن تسعى بجد لتغييره والعمل في مجال آخر يسعدك. وأن لا تجعل السنوات الماضية عائقًا، فهي ليست ضائعة لمجرد أنك لا تحب عملك، بل من خلالها أدركت شيئًا عن نفسك، واختبرت تجارب مختلفة جعلتك الإنسان الذي أنت عليه الآن. وبالتأكيد لا أقصد أن يتخلى الآباء عن تربية أبنائهم، والسعي لما فيه خيرهم، ولكن أن يشركوهم في الاختيار، وأن يدركوا أن كثيرًا من الأشياء التي تبدو مهمة الآن كدرجة اختبار مادة من المواد، لن تعني شيئا بعد عدة سنوات، ولن يكون لها أي تأثير على نجاح ابنك أو صلاحه أو الأهم سعادته. وأنه لن يبقى في ذاكرة الأبناء إلا تصرفاتك أنت معهم في كل موقف، فلا تضيع الوقت فيما لا يهم حقًا لأنه يبدو مهمًا. كما لا أعني أن نؤذي أنفسنا وصحتنا عمدًا، ولكن أن ندرك أنه إذا لم نكن نريد حقًا الالتزام بنظام غذائي فسنجد مائة عذر لادِّعاء أنه لم ينجح. فلا تلتزم بنظام غذائي لأنه المفروض بالنسبة لشخص مثلك، بل اجلس مع نفسك وتوصل حقًا إلى ما إذا كنت تريد ذلك أم لا، لأنك حينها ستصبح راضيًا عن قرارك، سواء قررت أن تتبع حمية وتمارس الرياضة، أو قررت أنك سعيد كما أنت.

كثيرون هم من يخافون أن يدركوا ما يريدون حقًا؛ لأن ذلك يشعرهم أنهم كانوا يعيشون في زيف كأنهم كانوا يتظاهرون بغير حقيقتهم. وكلنا نخاف أن ندرك أننا غير ما نعتقد عن أنفسنا. ولكن الأمر يستحق المحاولة فحياتنا في هذه الدنيا قصيرة وسنحياها بشكل أفضل وأكثر سعادة وراحة لو أدركنا حقًا ما نريد.

وأما عن خسائر هذا العام فقد كانت قليلة والحمد لله، والنجاحات كانت قليلة كذلك، ولكنها ذات تأثير كبير، فقد استطعت تخطي حاجزًا كان عقبة كبيرة في سبيل تحقيق ما أريد في حياتي المهنية، ربما أكتب عن تخطي هذا الحاجز، وهذا الخوف فيما بعد. وأما أحلامي، فهي أن أبدأ من جديد كمن استعاد ضبط المصنع لحياته. أتأمل أهدافي وخططي الكثيرة التي كنت أراجعها كل عام لأذكِّر نفسي بها قبل البدء في العام الجديد، أتأملها هذه المرة وأنا أتساءل لمَ أريد تحقيقها؟ وهل أريد الوصول إليها حقًا؟ وبالرغم من أني أعتقد أن الاجابة على معظمها ستكون بنعم، نعم أريد تحقيقها وأعتقد أن وصولي إليها سيشعرني بالسعادة، إلا أن هذا السؤال يظل مهمًا لأني أنسى في خضم الحياة، وتغدو هذه الأهداف مجرد مهام جديدة مكتوبة في قائمة طويلة، ولا أستطيع أن أتذكر ما الذي أتى بها إلى قائمة مهامي. لذلك سأبدأ كأن هذه هي أول مرة أفكر فيما أريد، ومن يدري ربما أكتشف أشياء جديدة عن نفسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد