تفحشت في زماننا هذا ظاهرة علماء السلطان الذين ينهون عن شرك القبور ويقعون في شرك القصور وولاة الأمور، حتى أصبح العلماء الربانيون يعدون بأصابع البنان، وهذه الظاهرة قديمة ومتأصلة في مجتمعاتنا، فيُروى أنه لما عاد طه حسين الأديب المصري الكفيف إلى مصر بعد نيله شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في فرنسا، استقبله الملك فؤاد حينها وكرّمه وأدخله معه المسجد لصلاة الجمعة، وكان عنده خطيب يأخذه معه أينما ذهب، وذاع صيت هذا الخطيب كونه خطيب الملك، صعد حينها ذلك الخطيب، وكال المديح لسيده حتى قال: «جاءه الأعمى فما عبس ولا تولى»، وفي ذلك تعريض لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقام وكيل الأزهر حينها الشيخ محمد شاكر، وقال للناس: « أعيدوا صلاتكم فقد كفر إمامكم».

وقد وصل التمر بأمثال هؤلاء في زماننا أن يفتوا بتحريم الشيء اليوم ويحللونه غدًا حسب أهواء حكامهم، فرأينا أحدهم يلعب بأوراق (الطرنيب)، والآخر يفتي للمرأة بقيادة السيارة بعدما كان هو نفسه قد أسهب وأفاض عن تأثير القيادة على مبائض المرأة، وغيره يقول: «إن حصار دولة مسلمة شقيقة فيه مصلحة للمسلمين»!

وهؤلاء حين يفتون مقابل حفنة من الأموال أو الصلاحيات يتصدق بها الحكام عليهم، يجهلون تأثير كلماتهم على مجتمعاتنا، فهؤلاء لهم جمهور يصدقهم ويسير بفتواهم ويقتنعون بكلامهم، كما أن هذه الشرذمة تشجع الحاكم في ظلمه وتزيده طغيانًا فوق طاغوته، وفي هذا يقول الشيخ الغزالي رحمه الله:
«عندما يجد الملك الجبّار مَن يُزيِّن له سياسته، وعندما يجد الحاكم المعتوه مَن يُثنون خيرًا على حماقته، فهنا الطامة التي تبيد الأمم!».

وهنا يأتي الدور على العلماء الأكفاء الذين – وللأسف – اتخذوا منحى خطيرًا في مواجهة هذه الظاهرة خوفًا أو جهلًا، فالغالبية يرفضون الحديث عن من يسمونهم «زملاؤهم» بالسوء، ويتركونهم يلوثون العقول ويبيعون المبادئ والثوابت، وهذا الصمت المقيت نخر في جسد الأمة طويلًا في كل المجالات، وهو استمرار لمسلسل إبعاد الدين عن أمور الحياة التي يفرد لها مقالات وروايات، والبعض الآخر – يا ليته لم يتكلم – يفتح نيران لسانه فما يبقي ولا يذر، فما يدع لهم عرضًا ولا ذمةً بما لا يقبله دين أو خلق، فينقلب الحق باطلًا والباطل حقًا، وإنّ ما هو أسوأ من هذا كله هم الذين يقفون في وجه الحكام وعلمائهم فإذا ما سُجنوا أو هُددوا تراهم يرتعدون خوفًا ويعودون بمواقفهم ويعتذرون أمام الملأ، وبأنهم لم يقصدوا «جلالته»، متناسين المواقف التي مرّ بها ابن حنبل، وابن تيميّة عندما آثروا السجن والعذاب في سبيل كلمة الحق.

فالعلماء لا يُقبل منهم ما يُقبل من العامّة؛ لأن العالِم هو واجهة هذا الدين، فإذا انكسروا فهي هزيمةٌ للدين كلّه وليست لهم، فهُم – وإن لم يُدركوا – ليسوا فقط عمامة وإزار، هم دينٌ، وخلقٌ، وقضيةٌ، ورباطٌ، ونضالٌ.

وإنّا ما عُدنا طالبنا أن يكون العلماء قادة ثورات وانقلابات، ولا حتى أن يدعمونا إذا ما قمنا وانتفضنا، بل فقط أن يتركونا نواجه الظالمين بلا أحاديثهم المحوّرة عن طاعة ولاة الأمور، وأن يرفعوا عنّا سيوف فتاواهم «النتنة» التي تبيح دماءنا وتضع المقصلة على أعناقنا، وتُردينا في غياهب سجونٍ الداخل إليها مفقود والخارج مولود، وكم رأيناهم يقدسون أحذية الجيوش على شاشات التلفزة وأقسموا أنهم في مقام الملائكة، وتناسوا كم من مآذن دُمرت ومصاحف دِيسَت وبيوت انتهكت أعراضها بهذه الأحذية.

وأختم بقول أحد الحكماء «لا شيء أسوأ من خيانة القلم، فالرصاص الغادر قد يقتل أفرادًا، بينما القلم الخائن قد يقتل أُممًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد