لازلت أذكر جيدا ملامح تلك الصغيرة التي جلست بجواري على درج الكلية تسألني عن رحلتي بعد التخرج كأي طالب يريد الاطمئنان على مستقبله، فكنت أفتح لها الباب أمام كل المجالات التي قد تجدها ولكن لاحظت من إيماءة منها أنها لم ترغب في أي مما أقول وأجابتني في النهاية بضحكة خجولة: «أنا اصلا مش عندي طموح» ثم صمتت قليلا، «نفسي يكون عندي طموح». قالت العبارة الأخيرة وكأنها تنفي عن نفسها تهمه ما.

لو قيلت لي هذه الكلمة قبل ثلاثة أعوام لكنت ألقيت لها إحدى المحاضرات التي أعرفها بل أحفظها عن ظهر قلب من رواد التنمية البشرية ولكنت أعطيت لها عناوين لكتب ومواقع على الإنترنت تحفزها، ولكنت شعرت من داخلي بالشفقة عليها لأنها إنسانة ضالة ضائعة لايمكنها اللحاق بالركب قط. ولكن وبحمد الله جعلني الفارق الزمني هنا أبتسم لها بسعادة بالغة وأسألها إذن ماذا تريدين من حياتك بعد ذلك؟

قالت إنها تريد أن تتزوج وتربي أطفالا لأنها تعشق الأطفال وتحبهم، نظرت إليها حيث كانت جميلة وعفوية بما يناسب براءة الأطفال والعيش معهم بالفعل، فقلت لها هذا هو طموح في ذاته. تهللت أساريرها بسماع هذا وإن كنت أعرف أنها تحتاج لرحلة شاقة حتى تفهم وتقتنع بهذا الأمر، فالمجتمع الذي يأسر الطموح الزائف الذي يحاول طيلة الوقت أن يجعل منا إما عظماء جدًّا أو فاشلون جدًّا.

وتعريف النجاح الذي كُبلنا به تغذت به عقولنا على مدار أعوام يجعل منا كائنات أسوأ من الآلات، فلا هم جعلونا ناجحين وعظماء كما أرادوا بكل خطبهم الرنانة ولاهم تركونا سعداء وأحرارا. بقيت داخل كلا منا غصة دوما على هذا النجاح المبتور الذي لم يصل إليه رغم محاولاته وكل أحلام اليقظة، حتي تلك التمارين التي كانوا يقنعوننا أنها توصلنا إلى الحلم باسترخاء وتخيله واقعا يجعله يحدث وينجذب إلينا، لا اذكر أن شيئا ما انجذب إليّ بتلك الطريقة أبدًا، ولا أظن الأمر بهذا التكلف فالشيء الذي نهتم به تلقائيا نتخيله وندعو به في كل لحظة لا نحتاج لان نتكلف الإحساس به. مانتكلف الاحساس به هو شيء لانريده قط، ولكن أسر الطموح هو الذي يجعلنا نتوهم أننا نريده.

وكما هو الحال هذه الصورة لذلك القائد الملهم الذي حلم أن يكون عليه الفتى ذات يوم لازالت تؤرقه ولا يستطيع الوصول إليها، حتى وأنا أكتب تلك الأحرف لا أستطيع طرد هذه الصورة من مخيلتي.

كيف يفهم جيل تربى على محاضرات التنمية البشرية المصبوغة بصبغة دينية وأدلة من القرآن والسنة على أقوالهم، مما جعلها تخترق ثوابتهم، كيف يفهم أن النجاح له تعريف آخر أو أن الطموح الذي كبلونا به ماهو إلا زيف، كيف يفهم من ظل يرتفع بخياله لأقصى النجوم لسنوات أنه ما زال على الأرض، إلا إذا سقط سقطة مدوية مساوية لارتفاعه بخياله، كيف نفهم أن الإنجازات الصغيرة جدا جدا أو التي نراها كذلك هي الشيء الذي علينا الاهتمام به في كل لحظة لأنه هو الذي يصنعنا؟ كيف نفهم مثلا أن المحافظة على علاقات اجتماعية وأسرية بين إخوتنا أو آبائنا أحد أعظم النجاحات وأصعبها؟

حين انتشرت الأنشطة التطوعية كان معظمنا يحزم حقائبه ذهابا إلى قافلة ما تبعد مئات الأميال عن بيته تاركا وراءه أما أو أبا في معظم الأوقات غاضبين لانهما ربما يحتاجا لرعايته أكثر، لاأحاول هنا أن اقلل من أهمية هذه الأعمال وأثرها المثمر في نفوس البعض، ولكنها لا تلائم الكل، وليست هي الطريق الأصعب والأوحد. هو الطريق الأسهل الذي نختاره ليشعرنا بالسعادة والرضا.

من قال إنك يجب أن تكون زويلًا أو فاروق الباز أو وجدي يعقوب أو حتى طارق بن زياد أو صلاح الدين؟ حتى تكون ناجحا؟ ومن قال إن هذا معيار أصلا؟ من قال إنك يجب أن تكون حاد الذكاء بارعا في مهارات عدة حتى تلحق بالركب؟ ليذهب الركب إلى الجحيم، ولتذهب كل تلك القوالب السخيفة معه.

هل نسي من أوهمونا بتلك الخرافات رب أشعث أغبر مدفوع بالطرقات لو أقسم على الله لأبره؟ هل نسوا تلك المرأة التي كانت تنظف المسجد، وصلى عليها خير الخلق أمام قبرها وأفرغ لها وقتا من وقته الذي كان رهن تبليغ رسالة الله؟ هذا لأن رسالتها تتقاطع مع رسالته صلى الله عليه وسلم على بساطتها.

هل المهندس الذي بنى الجسر وسقط بعد أيام أكثر نجاحا من عامل نظافة يزيل الأذى من الطريق بإتقان؟ وهل يجب أن تغزو عقول الناس كيف بعناوين كتب تعلم القيادة وفنونها؟ هل علم أحد هذه الفتاة أنها جميلة جدا لأنها تفكر في تربية نشء رائع؟ وحسب، وأن كل ميسر لما خلق له، هل علم أحد هذا الفتى الذي لم يحب الكتب والدراسة قط أنه غير ميسر لهذا وأنه ربما يصبح نجارًا رائعا كما هو شغوف بهذا؟

هل نستطيع أن نفصل الدين قليلا عن تلك المحاضرات ونتوقف عن الاستدلال بآيات من كتاب الله على تلك المصطلحات؟ فلا يحدث هذا الخلط المغلوط بين طموح الدنيا وطموح الآخرة، ليسوا شيئا واحدا ومن العبث أن نجعلهم يختلطان بهذا الشكل، فكل ما نفهمه من السياق القرآني هو أنهما شيئان مختلفان أحدهما مباح والآخر واجب، «فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

فاطمح في دنياك ما شئت ولكن لا يشغلنك هذا عن طموح الآخرة، ولاتظنن أنك بطموحك في الدنيا تبلغ الآخرة مهما حاولت تطويع نواياك، فليحترم كل منا ما يريده الآخر وما تتوق إليه نفسه مهما كان بالنسبة إليه تافها، فلو كانت كل النفوس جُبلت على القيادة لهلك البشر. فكما أخبرونا أنه لا حد للطموح، أيضا لا إطار محدد له ولا يوجد هناك قالب له إلا إذا كانوا لا يعترفون بهذا الطموح إلا في ضوء الشهرة.

فهلا يخبر أحد هذا الجيل الصاعد أن يحرق كل تلك الكتب وينسف تلك الأكاذيب، وأن يحرر نفسه من أسر الطموح الزائف، وأن يفعل ماهو شغوف به وحسب، وأن يتذكر دوما أن بلال وعبد الله بن مسعود كانا ناجحين وعظيمين، كما كان عمر وخالد بن الوليد ناجحا وعظيما، وأن يحرر النجاح والطموح وكل تلك المصطلحات التي أصبحت عبئا في حياة كلا منا، أن يحررها من هذا العفن الذي حاول أن يقتل فيها الإنسان وتنوعه وجماله الذي أراده الله.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الطموح, طموح
عرض التعليقات
تحميل المزيد