نحن نعيش أزهی عصور الحرية والانفتاح، كل ما تطلبه موجود، لا شيء يمكنك أن تجهله، إذًا أنت هنا معنا، أهلًا بك.

إذا كنت هنا معنا فدعنا نتفق أن الديباجة المملة للسطور الأولی في هذا المقال هي ما نسمعه يوميًا بطرق مختلفة ومن ناس عدة، ولكن في رأيي الشخصي هناك عدة قيود تربطنا وتكبل حريتنا وداوخلنا بشكل فظيع، نحن نعيش تحت سطوة المجتمع، سطوة التقاليد والناس، الأعراف وأحكامها، الأخلاق وسطوتها علی نفسنا البشرية.

«الجحيم هو الآخرون.. سارتر»

أولًا: الآخرون

مقولة سارتر تفسر المعاناة التي قد يعيشها الفرد وسط جمع من الناس، تخيل أن تتكون لك آراء مختلفة عن من هم حولك، بإرادتك او بالصدفة البحتة، ويفيض بك الكيل في كتمان ما بك من آراء صحيحة – من وجهة نظرك – وتقرر أن تصارح جماعتك بآرائك الشخصية التي قد تحطم أصنامهم، وتجعلهم يلعنون آراءهم القديمة وسنوات عمرهم الضائعة في الآراء الخاطئة!

أو تجعلهم يحطمونك أنت شخصيًا، وينصبون لك محاكمة أخلاقية، يحكمون فيها بحرقك أو برجمك بالحجارة!

تخيل أن هذا العالم البشع لا يمكنه تقبل اختلاف وجهة نظرك عمن هم أهلك وأقاربك وأصدقاؤك وزملاؤك، بل إنه بمجرد أن تُبدي اختلافك عن الناس سيتم إقصاؤك ونفيك إلی أقصی ركن يتم فيه عزل المختلفين، والحكم عليهم بموت آرائهم، وإخفائها ودفنها إلی الأبد.

ثانيًا: أخلاق

القيد الثاني في هذا العالم هو الأخلاق، إما وجودها أو انعدامها هو ما يمثل لك القيد الذي لا تقوی نفسك علی كسره.

تعد الأخلاق والقيم الإنسانية اختراع بشري مركب، ومعقد، فبمجرد أن تختفي قوة الناس تجدهم يهرعون إلی القيد الذي لا ينفك منذ ملايين السنين، والذي ما زال يلجأ إليه الناس في حل مشاكلهم إذا لم تمكنهم قوتهم الجبارة في حلها. وفي الحقيقة فإن وجود الأخلاق من عدمها في أي منا قيد علی النفس، لأن وجودها يعني الإنسانية والسمو والترفع عن الأهواء، وعدمها يعني محاولات العيش في مجتمع من المفترض أن الأخلاق تحكمه – نظريًا – وهذا يعني تقييد حرية من هم لا أخلاقيين.

والأزمة كلها في اللاأخلاقيين هي الاحتكام إلی الغش والمراوغة والقوة في كل التعاملات، ولأن قيد الأخلاق واهٍ أمام قوة عديمي الأخلاق، فإن العالم تحول ببطء وعلی مدار السنين إلی عالم بدائي، ولكن بطريقة مقننة.

لذلك نجد أن صراع العالم ما زال بدائيًا، بين الخير والشر، الحقيقة والوهم، الأخلاق وانعدامها، ورغم تشديد أينشتاين علی عدم جواز النظرية النسبية إلا في العلوم فقط، وأنه لا يجوز اتخاذ نسبية الأشياء في الأمور الأخلاقية. إلا أن العالم ما زال مُصرًا علی الاحتكام إلی نسبية الحقيقة، ونسبية الخير، وإن ما هو صحيح اليوم غدًا قد يستحق التدمير لأنه كان مزورًا، وفي يوم وليلة تتحطم وتتغير الحقائق في العالم، ويبقی كل فرد منا مقيدًا بقيده.

أخيرًا

رغم اختلاف مفهوم الجحيم لدی كُل منا، فإنه يظل جحيمًا، مُهلكًا، ومُعذبًا للكثيرين. ولكن ربما تكون تلك القيود الواهية هي السبب الوحيد في عدم تحويل تلك الأرض إلی بركة شاسعة الاتساع من الدماء وأشلاء الضعفاء، أو اللامنتمين لهذه الأرض، وربما لن تتحول تلك الأرض يومًا إلی ساحة ملائكية، أو منزل للعاجزين عن التأقلم، لأن هناك «آخرين» يهمهم أن تكون الغلبة للأقوی، وهناك لا أخلاقيين يهمهم عدم تفوق القيم علی المراوغات والخدع، ولهذا فقط ستظل الأرض أرضًا مُشبعة بالدماء، ومليئة بالحقد، لأن الآخرين يخربون حياة البعض، واللا أخلاقيين يدهسون غيرهم بلا مبالاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات