ما هو الشيء الذي يشاهد كل ما تفعله في الضوء، وربما بعض الذي تفعله في الظلام، التابع الأبدي الذي لا وظيفة له غير أنه تابع، بل والشيء الذي وجوده يقتضي وجودك، وحركته تقتضي حركتك، بينما لا يملك هو حرية الحركة، أو وسيلة أخرى للوجود سواك؟! إنه الظل.

الظل هو التابع الذي تحرر في بداية الرواية، والذي تدور الرواية حول غضبه، الذي لم يكن له مبرر، والذي يهدأ، حينما يتحول إلى نتائج، وخطوات، ومسار لا يعلم الظل نفسه لماذا يفعله؟، لماذا تم اختياره هو لكي يصنع بنفسه هذه الأحداث؟، ولكنها تجري فقط بدافع منه، والأحداث نفسها تتحرك بتدافع البشر –المجرمين- الذين كانت تتبعهم الظلال يومًا.

بدأ «مصطفى» الرواية بحادثة اختفاء ظلال في معرض رسم الظل، والذي يحاول الرسام إنقاذ الموقف الكارثي، ثم يروي ما حدث لظل وجد نفسه قد تحرر، وشرع يتدبر حركاته -التي يتحركها رغمًا عنه- والتي توضح ممارسة الجنس مع ظل آخر؛ حيث كان الظل المُسمى فيما بعد «نبيّ»، ظلًا لمسيحي يُسمى «مجيد»، والظل المُضاجع في بداية الرواية لفتاة تُسمى «ساندرا»، وفي مرحلة التدبر تلك يكتشف الظل أنه يفكر، ويحاول الفهم، وأنه فجأة تحرر من تبعية صاحبه.

يكتشف الظل تدريجيًا أشياء كثيرة؛ مثل أنه يستطيع تحرير الظلال، ويستكشف تلك القدرة على مراحل ومواقف مختلفة طوال الرواية، وأنه يستطيع قراءة الكتب بمجرد المسح عليها، وقراءة أفكار من يصبح ظلهم.

يُصاب الظل طوال الرواية، بداء كراهية البشر، واشتهاء القضاء عليهم بثورة على جرائمهم، حيثُ إنه رافقهم سنوات طويلة، وعلم ما يسرون، وما يعلنون، وكم تشكلت مجتمعاتهم على فساد العقل والقلب، ويبدأ في إنشاء أول خطوات ثورته؛ وهي أن يحرر الظلال في البداية .

ينتج عن أزمة اختفاء الظل تلك ورطة في المجتمع -المصري بالمناسبة– والذي تحاول فيه الحكومة إنقاذ الموقف، وفي أثناء تفشي أزمة الظل، يقوم الظل باستقطاب النفاق الاجتماعي، القائم على تسامح المسلم والمسيحي، بتفجير المسجد الأزهر، وسرعان ما تشتعل إثر ذلك؛ الفتنة بين المُسلمين والمسيحيين.

في أثناء الأزمة الأولى، كان الناس بالفعل أُصيبوا بالذعر، وبدأ الناس يقمعون، ويقتلون بعضهم بعضًا في الشوارع، وعلى إثر الأزمة الثانية يبدأ الناس بإنشاء الصفوف، بين الصف المسلم والصف المسيحي، وتزداد الفوضى فوضى، وينسى الناس مسألة الظلال؛ لأنهم انشغلوا بالفعل بمسألة هيمنة الدين على الدولة.

من ثم تدخل على الناس قوة محايدة، وهي قوة من دولة إسرائيل الشقيقة، والتي تقسم الأيام بين الناس، وتقسم المستشفيات، والخدمات، وأيام العمل، وكل مشاهد الحياة، وتقسم حتى قنوات التلفاز، بما يدفع الظل في محاولة إثارة الوضع أكثر، حيث وجد الناس تميل إلى الاستسلام في ظل الأزمة الثانية، بتدخل الحكومة اليهودية المحايدة.

يقوم الظل فيما بعد بلقاء شخصيات مختلفة، ويحتك بالبشر، ويظهر لبعضهم هو وجيش الظلال، ويسرد «مصطفى منير» مصائر هؤلاء البشر، ومشاهدهم في أثناء حدوث أزمة الأديان تلك، يأتي أحد المسئولين من الدول الخليجية، ويقوم الظل باغتياله، وينضم للأزمة بُعد ثالث؛ وهو تدخل القوى العربية.

تقوم الأزمة الثالثة على أن القوى العربية التي تدخلت في البلاد في المرحلة الأخيرة، تقوم بقتل أي شخص يمر في الشوارع بعد الساعة التاسعة مساءً، طوال ثلاث سنوات تقريبًا، أثناء بحثهم عن قاتل العاهل العربي، ويضع الروائي فصولًا متتابعة، عن مشاهد قتل بعض البشر، الذين لم يهتموا باختفاء ظلهم، ولا حتى بديانة من حولهم، لا قتل هذا العاهل، بل فقط كانوا يحاولون الحياة.

يأتي على الظل ظل آخر، يقول إنه نبي أيضًا، ويخبره بأن هناك وباءً يأتي على كل بلد؛ حتى يموت أهلها، ويأتي على أهل مصر داء الضحك، ويصاب البالغون بمرض الضحك حتى الموت بدون سبب معين، وهنا يتوقف النبي لفترة عن متابعة أحوال الأرض؛ لأن الأرض أصبحت بالفوضى الكافية في نظره، وأوشكت على النهاية.

ولكنه فجأة يرحل إلى عالم الظل، ويعلم إجابات كثيرة حول نفسه، ويلتقي بظلال «نجيب محفوظ، ورياض الصالح حسين، وفيودور دوستويفسكي، وأنطون تشيخوف وغيرهم»، وينشأ صراع بينه وبين مَدْيَن، الذي سيتم سرد قصته باعتباره نبيًّا من أنبياء الله، بُعث لقوم يعبدون الظل، وكان هذا النبي ظلًا، ولكن لونه أبيض اللون.

يقود المشهد الأخير قيامة الظل، وهو المشهد الذي يقود فيه «نبي» الظلال؛ لكي تنشر الظلام على البشرية، ويكون نبي آخر الظلال التي تصعد لكي تنهي تلك القيامة، في انتظار أمر الله، وقضائه على البشر، الذين أسرفوا في الفساد.

من هذا المختصر العابر للأحداث –المقصود– يمكن الآن مناقشة هذا العمل باعتباره نموذجًا مُجددًا في السرد، مع اعتبار أن بعد عدة قراءات، وجدت بعض الثغرات فيه، ونبدأ بتقسيم هذه المناقشة إلى عدة مسائل.

المسألة اللغوية؛ كانت سلاحًا جيدًا بالنسبة لقضية الظل حديث الولادة –اسم وضعته بنفسي حينما ناقشتُ العمل على مقهى مع بعض القُراء–، هذا الظل يتعلم اللغة وهو سارد الحكاية كلها، وكان لديه ميل فطري للمعرفة، والغرق في تأمل إنتاج البشر القيّم من فنون وآداب ومعارف عامة، وقد ظهر تأثره بهؤلاء البشر أثناء ما كان يروي، حيث استند «مصطفى» على أفعال المضارعة، في سرد حدث يجري أمام عين الظل، أو فعل ماض ذي مدلول قريب؛ إذ كان الظل يروي حدثًا، ترتب عليه الحدث المرصود الحاضر أمام عينيه.

المسألة اللغوية في بعض الأحيان تصبح ضعيفة في سرد بعض التفاصيل، مثل أن الظل من المفترض به أنه لا يشعر، ولكنه شعر بهموم الفقراء، حينما يتحدث الظل عنهم، لكنه فجأة حينما يختم الحديث عن الفقراء ويحدد المصير المشؤوم، تعود اللغة إلى الجمود وعدم التعاطف، مما يعني أن الظل قد يتعاطف مع الحالة، ولكنه لا يتعاطف مع العام، وهو لا يعتبر الحالة استثناء؛ لذلك قد يتعاطف مع الأطفال، ولكنه يعلم جيدًا أن الأطفال من ضمن هؤلاء الهالكين، التي ضمن مخططه بالإطاحة بالبشر.

المسألة الأخرى هي مسألة الجنس باعتباره شهوة بشرية مرضية؛ في بعض الأحيان استخدم «مصطفى» في الرواية مشاهد جنسية بشعة، ومقززة في الحقيقة –على حد اعتباري وخبرتي بالمجتمعات العربية– هي مشاهد واقعية، وقد يسرد المرء مستقبلًا إمكانية حدوث بعضها، ولكنها كانت في بعض الأحيان زائدة عن غرض الرواية الأساسي.

في القراءة الأولى للنص كُنت أعتبر الجنس مسألة مبالغًا فيها، بالأخص طرح الجنس المرضي في صورة المُخنثين، والشواذ، وتكوين تلك الشخصيات نفسيًا في الرواية، لم أهتم بتوقيت ذكر كل مُخنثة؛ استخدم «مصطفى» مُخنثة فقط، وذكر كل شاذ جنسيًا، مع العلم أنهم قلة، رغم أن التوقيت هو عنصر الفائدة من الجرأة الجنسية.

يقترن ذكر الجنس في الرواية بمجتمعات عربية معينة، وشخصيات سيادية معينة في الرواية، ونوعيات من طبقات المجتمع في بعض الأحيان، كثر ما اقترن في الواقع المحيط بيننا تلك النوعية المرضية في الميول الجنسية، ويُصبح ذكر الجنس في الرواية عائدًا لشيء مُحتمل، يُمكن لمسه في الواقع المحيط الآن، لكن بالتدقيق في حيثيات العلاقات المرصودة، وتفاصيل الوقائع، والاستعانة بالتحليل الجيد لتلك المشاهد، وهذا الأمر إن انتقده القارئ سأكون في صفه؛ لأنني في القراءة الأولى انتقدتُ الجنس في العمل –مع اعتبار أنني ذو ميول ليبرالية يسارية– ولكن في القراءة الثانية والثالثة وجدتُ سر هذه الأداة.

المسألة الثالثة هي مسألة النظرة العامة للبشرية؛ من المنطقي أن النظرة المُعتادة للبشر أنهم مَنْ دمروا الحياة، وأفسدوا البيئة، وأصحاب الجرائم المُحترمة؛ من حربين عالميتين، إلى سجون تحت الأرض، ومعتقلات سياسية، ولكن الظل حينما احتقر البشر كان يحتقرهم؛ لأنهم شهوانيون –بداية– ولا يميلون للمعرفة، وحينما هبط الظل إلى عالم الظلال، كان المسجونون فيه كُتّابًا، وشعراء، وفنانين، وكان قد احترم الظل بعضهم في الرواية، رغم بزوغ شهوتهم، مثل العم عزيز، وربما هنا الغرض الفلسفي للنص.

إذ اعتبر القارئ الظل بمثابة البشر الأوائل، الذين رأوا العالم خاليًا من كل ما حولنا الآن، وشرع كل فرد منهم في إقامة العالم حيث ما استطاع، أن يحلل ما حوله من معطيات، ستجد أن الظل كذلك كلما حصل من المعرفة –سواء على مستوى القراءة أو مستوى الأحداث المحيطة به– أُعطي تصورات جديدة، وتغيرت بعض أفكاره، ليُصبح في النهاية، الغرض الأساسي من الرواية؛ أن الظل ليس فردًا بعينه، بل هو مجموع العظماء في هذه البشرية.

الظل بدأ لا يعلم شيئًا تقريبًا، ولكن لديه فطرة تقول له أن يشرع في إيجاد المعرفة، مثله مثل «طه حسين» الذي حاول الوصول للمعرفة رغمًا عن العمى، الظل يحاكي في مسيرته الطويلة، وثورته ما صنعه «طه حسين»، ولكن «طه حسين» باعتباره مثالًا، كان يهدم ثوابت مثل أسوار المجتمع، التي كان يهدمها الظل؛ لكي تنتشر الفوضى، ولكن الفرق بين «طه حسين» والظل؛ هو أن «طه حسين» كان يريد أن تستمر البشرية في مسيرتها، بشكل أنفع وأصلح لها، أما الظل فلا يجد سببًا للتعاطف مع البشر، بل يريد التخلص منهم.

لاحظ يا عزيزي أنني قُلت «إذ اعتبر القارئ»، ولم أقل «لقد أعطى الكاتب مثالًا»، يمكن لكل قارئ حين يقرأ هذه الرواية، أن يجد تحليلًا مختلفًا، لماهية هذا الظل، وكيف تختلف نظرة الظل، عن الماهية التي يعتقد أن الظل يحاكيها.

المسألة الرابعة هنا والتي تُعتبر الثغرة؛ وهي أن العمل يحتاج إلى أن يمتد في التفاصيل أكثر من هذا، بل وأن يُعطى امتدادًا سياسيًا، وتفاصيل أكثر من الفوضى التي كان يراقبها الظل، وما أراه في هذا العمل، أنه كان أطول من حيث سرد وقائع تاريخية –خيالية– توضح فيها سياسة الدولة، وأيديولوجيا الشعب، الذي يغرق في فوضى أفكاره أكثر فأكثر، وإدخال عنصر السنوات الطويلة في هذا العمل، كان يمكن لهذا العمل أن يُصبح أكثر إثارة، بل وإضافة عنصر السنوات الطويلة كما في عمل «مائة عام من العزلة»، حيثُ تدور أحداث المائة عام دون ذكر تاريخ معين للأحداث، كان يمكن أن يمد الرواية حثًا أكثر روعة، حيثُ يسرد فيها ماهية هذا المجتمع، أكثر من كونه مجتمعًا يقوم الفرد فيه بشنق جاره.

كان لا بد من امتداد الخُطب، وإظهار تفاصيل تكوين الأحزاب، ووقائع أكثر تفصيلًا في الجانب البشري، لكن ما حدث في الرواية، هو أن الظل كان القضية كلها، هذا الأمر لم يكن يصيبني بالملل بل بالتشويق، ولكن إن أُضيف إلى العمل بعض الاهتمام بالتاريخ المُقترح لتلك الأحداث، لكان العمل أكثر تشويقًا.

المسألة الخامسة؛ هو أن العمل لن يكون عملًا عابرًا، هذا العمل سيكون محاولة جيدة لاقتراح وسائل جديدة للسرد، ربما أقرأ لرجل يسرد عملًا كاملًا من تمثال «طلعت باشا حرب»، يستغل الأذن المنحوتة التي تسمع يسار ويمين التمثال، والعينين التي ترى النوافذ؛ ذلك لأن هذا العمل حقيقةً، اقترح أدوات جديدة للسرد، لم نعهد أن الأدب العربي –أو على الأقل المصري– في الفترة الأخيرة قد استغل مثلها، نعلم مثلًا أن «إسحاق موسى الحسيني»، استغل دجاجة؛ لكي يحكي الواقع الفلسطيني، ولكننا منذ زمان «إسحاق موسى الحسيني» لم نسمع شخصًا يحاول بأداة جديدة، هذا العمل أُعطيه أربعة ونصف من خمسة؛ نظرًا لمسألة التاريخ فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد