على درب البشرية الطويل الذي بدأ في أغوار الماضي السحيق، بخلق الإنسان الأول (آدم)، تمضي حياة ذريته، وسوف تستمر، تصاحب الزمان إلى نهايته، إلى الوقت الموعود وقدر الله المقدور، حيث ينتهي كل شيء.

كانت للإنسانية وقفات وتأملات متعددة من خلال عقلائها ومفكريها وفلاسفتها، ليتساءلوا: من أين جاء الإنسان؟ وماذا كان قبل مجيئه؟ وإلى أين المآل؟ ولماذا كان ذلك كله؟!

وتاهت البشرية في دهاليز الضلال ومواطن الظلمات، فتخبطت بها خبراتها المادية، وانزلق بها علمها المختبري ومداركها المحدودة، ولم تكن مدركات عقولها وحسها وخيالها حرةً، رغم مدد الخبرات والتجارب والمشاعر والعلوم التجريبية وتراكمها، بل كانت آفاق العقول مقيدة ببشريتها وزاد حواسها ومحدودية خيالها.

وسدرت بعيدةً عن الحق وسبله، ومضت تحيا طبقًا لما حسبته إجاباتٍ لتلك الأسئلة، فكفرت وأشركت بالله، وضلت عن صراطه المستقيم وعن الهدى إلى التيه والضلال، إلا إشراقات للفطرة والترقي الروحي الذي مسَّ من الناس القليلين. ومضت أمم وراء أمم والله مرسل لهم رسلاً يرشدونهم ويهدونهم إلى إجابات تلك الأسئلة.

 

كان خطاب القرآن المكي في جزء كبير منه متجهًا إلى المشركين وأهل الوثنيات الجاهلية في جزيرة العرب وما حولها، وفي جزء آخر كان يخاطب أهل الكتاب من يهود ونصارى.

وكان إنكار البعث هو ركن ركين في عقيدة هؤلاء العرب مع شركهم بالله، فحظيت عقيدة البعث بالكثير من التناول القرآني الذي تناولها بقوة وإلحاح.

  فالله هو الذي خلق السماوات والأرض، وأودع في الكون نواميسه وقوانينه، التي تصلح للحياة والتطور والعمران.  والله هو الذي خلق الإنسان الأول وزوجه، وخلق نسلهما من تزاوجهما، وأحكم قوانين التكاثر والحياة الخلوية لتستمر مسيرة الحياة البشرية إلى الساعة التي يقدرها الله والتي هي من أمر الله. أما الإنسان الفرد فيحيا ما شاء الله له أن يحيا، ثم يحصده الموت. وإن خالق الحياة هو واهب الروح وهو من ينتزعها بالموت.

وهو الذي أرسل رسله وأوحى إليهم وأنزل هديه وكتبه، ليعلم الإنسان أن (المآل والمصير) ليس ذلك (الموت)، وأن (النهاية) ليست هي ذلك التحلل في تراب القبور أو التهتك تحت أنياب الضواري من الحيوانات أو غرقًا في البحار، أو سحقًا في أتون الحروب أو تحت ركام نواتج الحضارة والصناعة.

 وإنما هناك بعث للموت، وحشر وحساب في حضرة الواحد القهار، في ظل اليوم الآخر.

كانت الوثنيات والعقائد الضالة في مكة وما حولها وعلى امتداد العالم المأهول وقت بعثة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لا تؤمن بفكرة (البعث) إلا وقد شابتها أساطير ووثنيات ساذجة.

وقد تناول القرآن الكريم قضية البعث من بدء نزوله وفي الفترة المكية بوضوح وتكرار، وكذلك استمر تناوله في العهد المدني، والرد على منكريه من المشركين والكفار بكثرة وبأوجه متعددة ومختلفة، (فالإيمان بالبعث) هو قاعدة الحياة البشرية التي تنضبط الأخلاق بها ويستقيم سلوك البشر، ويكون لفعل (الخير وعمل الصالحات) في الدنيا جزاء وتقدير في العالم الآخر يوم البعث والقيامة. كما أن (الشر والجريمة) يكون تخريبًا وإفسادًا في الأرض يجازى بعقابٍ وعذابٍ في الآخرة.

فإن قنعت البشرية الوثنية التي ضلت عن هدي السماء، بما قاله الكفار والمشركون وذكره القرآن في هذه الآيات:

(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [سورة اﻷنعام 29]

أو قولهم: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [سورة الجاثية 24]

فإن (الجريمة والإفساد) تتساوى مع (الإحسان والإصلاح)، فتسقط البشرية في براثن الشر وتتحول إلى حيوانات مفترسة تهلك بعضها البعض على دواع غريزية فقط، فهم بهذا قد انسلخوا عن مصدر الأخلاق ومنبع القيم والأخلاق، فما كانت لتنشأ حضارة أو عمران أو تتقدم إلا على القتل والدماء.

 ولكن برغم انحدار البشرية الوثنية، وإنكارها للبعث وكفرها باليوم الآخر، إلا أن رسالات السماء وهديها وكتب الله السابقة قد بثت شذرات من ذلك الهدي، الذي اختلط بثقافات الشعوب غير ذات الكتاب، فصارت فكرة بعث الموتى إما منكرة تمامًا أو مختلطة بأساطير وتصورات وثنية ساذجة، وصار الضمير الفردي والجماعي والأعراف والقواعد الاجتماعية والمتوارثة، هي التي تحدد مفاهيم الخير والقيم الاجتماعية والخلقية، وإن كان تجاوزها أو الاعتداء عليها يكون العقاب عليه غامض وغير حتمي ويمكن التنصل أو النجاة منه.

ومتى يكون العقاب على الشر أو الجزاء على الخير؟ ربما لا يدري ذلك الإنسان.

وقد عرضت سور القرآن التي أنزلت قبل سورة (ق) لتلك القضية في العديد من آياتها مثل: (الفجر-العاديات- التكاثر- عبس- القارعة- القيامة- الهمزة- المرسلات- سورة ق).

كانت عقول كفار مكة لا تكاد تستوعب قضية البعث، فقد جبلوا على النظر إلى آبائهم وأسلافهم المقبورين على أنهم محض عظام بالية نخرة، وأشلاء مندثرة، ولا شيء بعد ذلك ولا شيء دون ذلك، فقد مضوا إلى عدم، وسيلحقون هم بهم بعد أن ينهلوا من أطايب الحياة وكدرها ويستنفذوا من متعها ولذاتها وسوف يمضون مع الموت إلى العدم ذات المصير.

كان ذكر البعث ومحاججتهم فيه تكرارًا بآيات القرن الكريم، وبأساليب متفاوتة مقصودًا حتى تتفتح أذهانهم وتتصوره وتعتقده ألبابهم.

ويستمر القرآن يذكر إنكارهم وأسبابه، ويرد عليها ويدحضها، وكما كان في الكثير من السور، كانت سورة (ق).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدبي, ثقافي, ديني
عرض التعليقات
تحميل المزيد