تجلس أمامي واضعة رأسها بين كفيّها، يشرد نظرها في زاوية الورقة التي أكتب فيها مفردات “الصباحية”، أسألها: قلتي كام فطير مشلتت؟ ترد في همّ ثقيل: 10 فطاير وبـ 20 جنيه عيش، فأكمل الكتابة والأسئلة وتكمل الشرود في اللاشيء..

أنبهها من شرودها: (وصلنا للـ1500 جنيه ولسا مخلصناش.. وبعدين؟) تتركني لتكمل عملها وتتمتم بدموعها: خليها على الله..

الله؟!

الله لم يطلب منا هذا البذخ الجاهل، لم يأمرنا أبدًا أن صلة الرحم لا بد أن نستدين لها، ودينه لا يوجد فيه ما يجعل العادات والتقاليد تُجبر الناس على الحرام بأشكاله، أبدًا.. حاشاه!

أقرأ الورقة ثانية قبل أن أضغطها في قبضتي الحانقة، فأجد فيها كل أصناف الطيور واللحوم والأصناف الحلوة والحاذقة والفواكه والمياه الغازية والعصائر التي سيرسلها أهل العروس لأهل العريس كغداء لهم في يوم الصباحية، وبقية الأسبوع تتناوب فروع عائلة العروس على إرسال الغداء اليومي، وكأنهم يقدمون لهم القرابين امتنانًا لهم بتفضلهم بزواج ابنهم من ابنتهم.

العادات والتقاليد، العرف، سلو البلد… هي مفردات أخذ بها الشرع فعلًا، لكنه أبدًا لم يكن يقصد هذا التخلف والاضمحلال، بل أخذت هذه المفردات محل الشرع نفسه، وأصبح من لا يلتزم بها حرفيًّا مارقًا على قيم المجتمع.

أي زواج هذا الذي يُكيّل بالطعام، تمامًا كنظام المقايضة القديم ولكن القدماء لم يستخدموه إلا في سلع مقابل بعضها، لا في سلع بخسة مقابل بشر!

تترك عملها وتسألني: أهلك مجابولكيش صباحية؟، نفيت لها الفكرة بشكل قاطع، فعادت تسألني باستغراب: وأهل العريس قالوا عليكم ايه؟

تيقنت أنها في وادٍ غير واديّ تمامًا، وأني مهما شرحت لها فلن تخترق كلماتي سياج العادات والتقاليد المحيط بعقلها، عاودت الكلام في يأس: ده احنا كل ده وبيطلعلنا أسافين بردو، مين استخدمت زيت وما استخدمتش سمنة بلدي، مين الباشميل بتاعها مكلكع في المكرونة، مين مقللة اللحمة المفرومة في الجلاش و…

طمأنت نفسي أثناء وجودها بأن عادات الفلاحين غير.

وما إن تركتني حتى استحضرت كل عادات الطبقات الأعلى منها فما وجدتها تختلف إلا في التفاصيل والمسميات، فهناك “البوفيه” بدلًا من “الصباحية”، و”سفرية شهر العسل” في مكانة “النقوط” و”ماركة فستان الزفاف” محل “الـ 3 غسالات” والقائمة لا تنتهي.

وليتنا نتوقف عند التفاخر والتنافس في العادات والتقاليد التي نزعم أنها فرضت علينا، بل نخترع ما يؤذينا ويضيق الخناق على حياتنا أكثر كــ “سن زواج الفتاة” مثلًا.

مع انتقالي للسكن في منطقة أخرى لا أفقه الكثير عنها اشتركت في جروب على الفيسبوك لسيدات من ساكنيها كي أتعرف على معالم المكان دون أن أنخرط في الحديث معهن.. معظمهن حديثات الزواج.

فإذ بإحداهن تكتب منشورًا تسأل فيه عضوات الجروب عن سن زواجهن.. العجيب أن التفاعل مع المنشور كان غير مسبوق، ألقيت نظرة سريعة على التعليقات علّي أجد شيئًا ذا أهمية، فوجدت إحداهن كتبت “سن زواجي 17 قولوا ما شاء الله” وكانت الردود من قبيل “عسسسسل ما شاء الله/ يا بختك.. أنا 27 / متقوليش يا بنتي.. في ناس بتحسد”.

وأغلقت الصفحة وأنا في ذهول.. وتساءلت عن قدرتنا للنزول للحضيض بكل هذه السهولة، حيث نختصر إنجازاتنا في الحياة لأقدار ليست بأيدينا، ونتفاخر بقيم ليست من صنعنا ابتداءً.

سن الزواج.. من منا يمكن أن يحدده لنفسه، ذكرًا كان أم أنثى، من بيده تعجيل أو تأجيل ما كتبه الله له، ومن قال إن الزواج في سن الـ 17 “عسسسل” أصلًا؟ وإن من تزوجت في السابعة والعشرين, فلا عزاء لها فضلًا عن من تخطتها!

تحسرّت على صانعات الأجيال وهنّ مازلن يتنافسن في سن الزواج، ثم نعيب على المجتمع في أنه لا يرحم وذكوري وأن البنت لا ينظر لها إلا خادمةً في بيت زوجها.

والأمثلة في هذا السياق لا تنفد ولا يمكن حصرها في مقال قصير بل تُفرد لها المجلدات، ولكن، خلاصة القول: إننا من نصنع إله العجوة ونقف أمامه جوعى ولا نملك خيار أكله حتى كما الجاهلية الأولى!

نحن من نخاف من قول “لا” أمام اللاشيء، فتركنا “الناس” المزعومين والوهميين يتحكمون في حياتنا وحين تقع الفأس في الرأس نكتشف أنه لا وجود لهؤلاء الناس إلا في مخيلاتنا المريضة بالتقليد.. شفانا الله وعافانا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد