من اللحظات الفارقة في حياة الرجل تلك اللحظة التي يصل فيها إلى سن الستين ويتقاعد عن عمله، في تلك الحالة المفاجئة يشعر الرجل بالصدمة كما يصيب من حوله بالصدمة كذلك، وما ذلك إلا لتغيرات نفسية تصيب ذاك الرجل فتنعكس على زوجته وأولاده ومن حوله بالسلب والامتعاض، ولنبدأ القصة من البداية لنفهم طبيعة ذلك الموقف.

منذ بداية الحياة الزوجية اعتاد الرجل على قضاء أغلب وقته خارج البيت؛ فهو يمارس عمله ويتفانى فيه ويحقق به ذاته الطموحة بعيدًا عن زوجته وأولاده ، ويتباعد به عن البيت الذي انفردت به الزوجة منذ أول يوم، لتشعر فيه كأنها ملكة متوجة على عرشه؛ فهي مديرة البيت الأولى والأخيرة، تنظم شئونه وتضبط قوانينه بلا رقيب ولا نكير، الجوّ خالٍ لها تمامًا لتمارس سلطتها الملكية الكاملة عليه لا ينازعها فيها أحد تمامًا، مثل زوجها الذي يعيش ملكًا متوجًا، ولكن خارج البيت.

إننا أمام حالة فصل بين السلطات بين سلطة داخلية رئيسها الزوجة وسلطة خارجية رئيسها الرجل، ولا يصح أبدا التداخل بين السلطات وإلا فسدت الحياة الديمقراطية، عفوًا.. أقصد الحياة الزوجية!

ولكن تلك الحالة الهادئة لا تلبث أن تنقلب رأسًا على عقب حين يتقاعد الرجل عن عمله بعد تلك الرحلة الطويلة من العناء والتعب، وفجأة تجد الزوجة سلطتها المنزلية مهددة! يبدأ الزوج الذي صار فارغًا تمامًا بلا عمل ولا شاغل يبحث عن شيء يشغله وعمل يسلي به وقته، فلن يجد شاغلًا سوى البيت! يبدأ الرجل الفارغ يتدخل في الشئون المنزلية، ولأول مرة يبدي ملاحظاته على إدارة زوجته للمنزل التي لا تعجبه، فيحشر أنفه في نظام الأثاث وترتيب المطبخ ومواعيد الطعام والشراب، بل يتطور الأمر أن يبدأ في دخول المطبخ الذي لم يدخله منذ ثلاثين سنة! وهنا تحدث الكارثة! يجنّ جنون الزوجة التي لا تقبل أن ينازعها أحد في مطبخها، بل تكاد تفقد عقلها حين يتدخل ذلك الزوج المتطفل في طريقة الطبخ وإعداد الطعام فتشعر بالضيق والضجر، في أشهر معدودة بدأ ترتيب البيت يختل، وكلما بحثت الزوجة عن شيء في البيت وجدته قد تغير مكانه فتثور ثائرتها ويضيق بيتها عليها، إن البساط طفق ينسحب من تحت قدميها، لقد صار للبيت رئيسان بعد أن كان رئيسًا واحدًا!

لقد بدأت مشاعر النفور والضيق تجاه ذلك الزوج الملازم للبيت لا يخرج ولا يتحرك! بل ليس له شاغل سوى استحداث المشكلات ومناكفة واستفزاز الزوجة التي بدأت تصاب بالاكتئاب والقلق! لقد ثارت المرأة المكروبة حتى قالت لزوجها: ألا تخرج من البيت أبدًا؟ اذهب واترك البيت قليلًا! لقد صار البيت جحيمًا! لقد صارت شكوى الزوجة الدائمة مع صديقاتها هي ذلك الرجل الذي صار مثل ظلها في البيت! إنه يرصدني ويلاحقني في كل حجرة من المنزل، لقد انتشرت الفوضى والأشياء المبعثرة في المنزل، إنني لا أطيق! أشعر أنني سأجنّ! أريد أن أصرخ! لقد أصابني الأرق ليالي طويلة بسببه، أشعر بضربات قلبي كأنها تطرق صدري، الصداع يلازمني بالليل والنهار، آلام في العضلات لا تفارقني، يالله أنقذني من هذا العذاب!

ولكن شؤم تقاعد الرجل في بيته لم يصب زوجته فقط، بل انعكس عليه أيضًا حتى بدأ يصاب باكتئاب سن التقاعد.

وهي حالة من الاكتئاب تصيب كبار السن حيث يشعرون أنهم فقدوا قيمتهم في الحياة بعد أن تركوا عملهم فضاع العائد الأدبي قبل المادي، ومن مظاهر هذا النوع من الاكتئاب حالة عامة من الزهد في الدنيا والتقشف، بل البخل على أنفسهم، حالة عامة من الانعزال عن الناس والشك الزائد فيمن حولهم حيث يشعرون أن من حولهم يريدون التخلص منهم، حالة من الغيرة على أبنائهم – الذين ربما لم يأبهوا لهم من قبلُ أيام عملهم – واتهامهم المبالغ فيه بالعقوق وأنهم يريدون التآمر عليهم، دوام الشكوى والتبرم وكثرة الانتقاد وإعطاء النصائح المتتالية الكثيرة، الفراغ أكثر ما يدمر الحالة النفسية لكبار السن، علامات التبلد والحزن غير واضح السبب، اضطرابات النوم، إهمال النظافة الشخصية واتساخ ملابسهم، وربما لبس الثياب الممزقة، حالة عامة من الفوضى في بيوتهم وحجرتهم الخاصة، يصيبهم أحيانًا حالة غريبة تسمى وسواس جمع الخردة، وهو جمع الأشياء المتبقية من الطعام كعلب الزبادي والزجاجات الفارغة والصفائح حتى تمتلئ بها بيوتهم في صورة مبالغ فيها لتزداد الفوضى في المنزل.

بعضهم حين اقترب من سنّ التقاعد وقبل يومين من الموعد المحتوم حصل على إجازة اعتيادية، لينسحب من وسط عمله فجأة ويختفي ويبدأ الزملاء يسألون عنه؛ فيفاجأون أنه قد وصل لسن التقاعد دون أن يخبر أحدًا، إنه لا يريد أن يعرف أحد أنه تقاعد، لا يريد نظرات الإشفاق والمواساة، كما سئم من زملائه ومعارفه وقرر اعتزال البشر جميعًا، بعضهم وصل لمرحلة من العزلة حتى إنه صار وحيدًا تمامًا ليس له أصدقاء ولا معارف فقد تركهم جميعًا، بل صار بلا أهل؛ فإما قد ماتوا وإما قاطعهم وهجرهم، لا يجد مكانًا ليسلي فيه وقته، ليس له مسجد يواظب فيه على الصلاة ليتعارف مع الناس ويكوّن علاقات جديدة، ليس له مقهى معتاد يقابل فيه الزملاء والمعارف، ليس له ناد يمارس فيه الرياضة، لقد صار حبيس البيت يقتله الملل ويخنقه الفكر فصار يصبّ مرارة اختناقه على زوجته وأولاده بقصد أو بغير قصد.

إن مرحلة التقاعد مرحلة حتمية، على كل منا أن يحسب حسابها، ويعد لها العدة جيدًا، فمن لم يستعد لها فوقع فيها وصل لتلك المرحلة من الاكتئاب (اكتئاب سن التقاعد) وسبب الضيق والضجر لزوجته ومن حوله (متلازمة الزوج المتقاعد) لتنتهي حياته بصورة بائسة تعيسة لا بلغنا الله إياها أبدًا، أما من حسب حسابها جيدًا ورتب لنفسه حياة متوازنة مليئة بالهوايات والمشاغل، وأعد لنفسه زادًا من الأصدقاء والمعارف والأنشطة المفيدة، فإنه سيعيش آخر أيامه في الدنيا سعيدًا هادئًا مطمئنًا في نفسه، وجالبًا للاطمئنان لأهله وأسرته، فليُعدّ كل منا العدة لذلك اليوم من الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد