بعد فترة من العطاء المتواصل بلا كلل أو ملل، لمدة لا تقل عن عقدين من الزمن، يحال الموظفون والعاملون والضباط كبار السن إلى التقاعد، سوى من كانوا يعملون لصالح الدولة أو لصالح الشركات الخاصة، وذلك لغرضين أساسيين، أحدهما أنهم فقدوا القدرة على أداء مهامهم بنفس الكفاءة التي كانوا يؤدون بها سابقًا بسبب التقدم في السن، والغرض الآخر هو إخلاء بعض المقاعد لبعض الأفراد من جيل الشباب الذين يرغبون في العمل، ويساهم هذا في التقليل من مصروفات الدولة أو الشركة، وضمان العمل المتواصل بالكفاءة والدقة اللازمين.

وبما أن هذا الأمر يجلب الكثير من الفوائد، كان أمرًا  لابد منه، ولم يعترض أحد عليه، حتى أن النظامين الرأسمالي والاشتراكي الندين، اتفقا على وجوبه، وذلك لأنه يصب في إطار المصلحة العامة، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاص أمر لا مناص منه، ولأن هذا الإجراء يسبب ضرر شديدًا على الأشخاص الذين أحيلوا إلى التقاعد في الدول الرأسمالية، قامت بعض الدول إن لم أقل أغلبها، بإدراج نظام اجتماعي جديد يسمى (المعاشات) يوفر للمتقاعدين العلاج المجاني بالإضافة إلى خدمات أخرى، وأيضًا عائدًا ماليًّا شهريًّا ثابتًا.

تبدأ معاناة المتقاعدين في أن ذاك العائد الشهري لا يكفي، لتغطية متطلبات الحياة اليومية، وفي السودان على سبيل المثال، يتراوح المبلغ من مائتي جنيه إلى خمسمائة جنيه، وهو نصف ما كان يحصل عليه مرتبًا ثابتًا أثناء فترة خدمته وهذا المبلغ لا يكفي لإعاشة شخص واحد مدة أسبوعين، فكيف إذا كان هذا المبلغ يفترض أن يعيل أسرة كاملة، ولهذا فإن أغلب المتقاعدين لا يعتمدون على هذا المبلغ، وإنما يعيشون على تلك الأموال التي يمنحها لهم أبناؤهم العاملون وبعض الاقارب، أما إذا لم يكن للمتقاعد أبناء كبار عاملون، أو أقارب كرام، وكان يُعيل أسرته التي بها أطفال صغار، وكان عليه دفع ثمن إيجار المنزل أيضًا، فإن أسرة هذا المتقاعد ستُضطر للتسول والسؤال حتى يبقى أفرادها على قيد الحياة.

إن نظام المعاشات نظام ضعيف جدًا، ويحتاج لتعديلات حتى يصير فعالاً وينقذ المتقاعدين من المأساة التي هم فيها، وبداية لحل هذه المشكلة، فكرت في إيجاد طريقة عملية لإنعاش هذا النظام، وكان هذا هو ملخص ما توصلت إليه:

  • إن المتقاعدين لعدم قدرتهم على ممارسة أي نوع من الأعمال الإضافية بعد سن التقاعد، فهم في حاجة إلى المزيد من المال لذا يلزم على الدولة العاملة بنظام المعاشات زيادة المرتبات إلى الضعف بدلاً من تقليلها إلى النصف.
  • إذا تم تطبيق الزيادة فإن مصرفات الدولة ستزداد تلقائيًا ولتقليل هذه الزيادة أو الحد منها يوجد هنالك خياران :
  • مضاعفة فترة العمل لغير المتقاعدين مع تقليل عدد الموظفين.
    وهذا غير عملي، لأن مضاعفة العمل، تقلل من كفاءة العامل على أداء العمل، وأيضا تقليل الموظفين سيزيد من معدل البطالة أو بمسمى آخر زيادة عدد الأشخاص غير العاملين.
  • تقليل مرتب غير العاملين إلى النصف.
    يبدو هذا الحل عمليًا أكثر من سابقه، فالشباب عامةً لا يحتاجون إلى كمية كبيرة من المال لإعاشة أنفسهم، وأيضا هم قادرين على العمل الإضافي على عكس المسنين.

والجدير بالذكر هنا هو أن المتقاعدين في الدول الاشتراكية يعيشون في رفاهية مقارنة بالدول الرأسمالية النامية على وجه الخصوص، فالنظام الاشتراكي يدعم الفقراء ويحاول طمس الطبقات الاجتماعية، في حين أن النظام الرأسمالي يدعم الأغنياء ويزيد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ومع ذلك فإن النظام الرأسمالي يتفوق على النظام الاشتراكي في معدل الانتشار والنمو الاقتصادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد