في عشية عيد الاستقلال والشباب الـ58 استرجعت الجزائر رفات وجماجم مجموعة من شهدائها وخيار أبطالها الذين تمكنت منهم أيادي الظالم الفرنسي إبان الاستدمار الغاشم لهذه الأراضي الطاهرة، رفات الشهداء التي نكل بها ونقلت لآلاف الأميال لتحنط وتهان وتعرض في المتاحف في صورة تعكس وحشية ونذالة المحتل الذي لازال إلى يومنا هذا يتغنى بمبادئ الحرية والمساواة والإنسانية، ومسوقًا بهتانًا أن فترة الاحتلال كانت فترة لنقل الحضارة من الشمال للجنوب ومتطاولًا على رفات الشهداء واصفًا الحدث بنقل رفات المتمردين الذين قتلوا أيام التواجد الفرنسي في الجزائر.

ويعتبر ملف الذاكرة الذي تشكل رفات الشهداء نقطة أساسية من نقاطه العديدة محور العلاقة بين الدولتين الجزائرية ونظيرتها الفرنسية في فترة ما بعد الاستقلال، حيث يعتبر ملف الذاكرة ميزانًا للعلاقة حيث يتأرجح من حكومات لأخرى، ويظهر كخلفية للعلاقة في حال الأزمات، فالمتتبع للمد والجزر في العلاقة الثنائية الجزائرية الفرنسية يعلم أن الدولة الجزائرية ولسنوات طويلة تفاوض محتل الأمس لاسترجاع الأرشيف ورفات الشهداء وما حصل في يوليو (تموز) 2020 يعتبر مكسبًا للدبلوماسية الجزائرية في معركة الذاكرة.

وقد اعتبر جل الجزائرين استرجاع الرفات عرسًا وطنيًا، حيث ستنقل رفات الرجال لأرض ضحوا من أجلها، ومن أرض العدو إلى أحضان الوطن الأم إلى الأراضي الزكيات الطاهرات.

مثل هذه الأحداث تحيي في أنفسنا ذكرى تضحيات من سلفنا من أشراف هذه الأمة، وتسمح لنا بالوقوف متدبرين في حجم تضحيات الرجال من أجل مستقبل كانوا يحلمون به لمن يخلفهم فوق أرض الجزائر المقدسة، وهي مناسبة لتذكير بعضنا البعض بضرورة استكمال طريق الشهداء ورسالة الصالحين في ضرورة بناء جزائر قوية جزائر سيدة على أسس قوية أهمها ذكرى وإرث الشهداء وتضحياتهم الجسام، وهي فرصة لإسقاط القناع عن وجه فرنسا المستعمرة وكشف حقيقتها للعالم بأسره وتجريمها تاريخيًا والإبقاء على مطلب تجريم الاستدمار الغاشم كمطلب رئيس في ملف الذاكرة، وعلى ضرورة تعويض الجزائر على ما مورس في حق شعبها من جرائم طيلة قرن و30 سنة من الاستعمار.

تعود جماجم الشهداء لحقبة المقاومات الشعبية، والتي تعرف أنها كل المقاومات المسلحة التي لم تشمل كل الجزائر جغرفيا في زمن واحد، بل شملت كل أنحاء الجزائر، لكن في مقاومات متفرقة جغرافيًا وزمنيًا، والتي كانت من أولى لحظات احتلال الجزائر إلى غاية تنظيم الثورة المظفرة لنوفمبر (تشرين الثاني) 1954، هذا ما يعكس حقيقة مقاومة كل الجزائريين في كل شبر من الجزائر للاحتلال، وهو ما يفسر الإحصاءات التي تتحدث عن قرابة 10 ملايين شهيد طيلة فترة الاحتلال.

مثل هذه المناسبات من شأنها أيضًا إبراز لحمة الجزائريين سلطة وشعبًا فالتاريخ المشرف واحد وعدو البلاد واحد، ومع كل مناسبة تزيد رغبة الشعب في إيصال طلبه للسلطات بالتعامل بندية مع الفرنسيين في كل المجالات هذا إن كان للتعامل ضرورة، وبناء علاقة دبلوماسية بخصوصية الماضي مع الفرنسيين وتاريخهم الأسود في الجزائر.

الجزائريون اليوم أسياد في أوطانهم، أحرار في بلادهم، مستقلون في ممارساتهم وخياراتهم، يمارسون الديمقراطية بطريقتهم، يناضل الجميع من منصبه وبقدرته في بناء الجزائر، اختلافهم فكري وصراعهم سلمي، ولكل طريقته وطاقته، لكن هدفهم واحد الوفاء لرجال خلد التاريخ بطولاتهم ومآثرهم بأحرف من ذهب.

المجد والخلود لشهدئنا الأبرار.. تحيا الجزائر حرة مسلمة مستقلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد