منذ إعلان الفلسطينيين في غزة نيتهم إطلاق مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار، بدأت محاولات الإجهاض عبر استكشاف ما الذي يخطط له الفلسطينيون.

شهدت خطوط الاتصال بين قيادات الفصائل في غزة وخصوصًا حماس، سخونةً غابت طيلة شهور، رغم تفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية وحتى الاجتماعية في القطاع المحاصر، ركّزت هذه الاتصالات على محاولة ثني الفلسطينيين عن عزمهم التوجه إلى تخوم غزة الشرقية.

من الواضح أن قيادات الفصائل هَمِّشت هذه المحاولات رغم التقائها بعدد من الضيوف، على رأسهم المبعوث الأممي نيكولاي ميلادينوف، إضافة لعدد من الوسطاء الإقليميين تتقدمهم مصر وتنافسها قطر.

غير أن هذه الاستكشافات كان واضحًا عليها رغبة الإرجاء لتشهد بنفسها نتاج الحشد الجماهيري والتعبئة الوطنية غير المسبوقة من كل المكونات الشعبية والفصائلية والنقابية في القطاع ليوم الأرض الذي يوافق 30 مارس (آذار)، فإذا لم يحصل المراد من المنظمين فلا داعي لجولات الوساطة، إلا أن يوم الأرض شهد حشدًا جماهيريًّا فاق توقعات أكثر الحريصين، وبالتالي جعل من الحركة واجبةً من قبل الوسطاء.

سرعان ما جاء التحدي الأكبر في يوم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والذي وافق 14 مايو (أيار)، حين احتشد الآلاف في مخيمات العودة، وأزهق الاحتلال أرواح أكثر من 70 شهيدًا وأصاب المئات، وهي حصيلة تساوي ما اقترفته إسرائيل من جرائم بحق المدنيين المتظاهرين خلال أيام مسيرات العودة السابقة، والتي ناهزت الخمسة وأربعين يومًا، ما رفع من فاتورة التضحية لأكثر من 140 شهيدًا.

لم يؤرق شلال الدم هذا الوسطاء ولا المجتمع الدولي، وانصب تركيزهم على تجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية، هم ليسوا معنيين فيها لسببين، الأول: عدم رغبة إسرائيل بها -حاليًا-، والثاني: أن إعلان الحرب يعني إعلان فشلهم بوصفهم وسطاء لدى دولهم ومؤسساتهم، لأن مهمتهم الأساسية كانت إطفاء الحرائق قبل اشتعالها!

تعمّدت إسرائيل زيادة وتيرة القتل والإصابات الحرجة، والتسبب في الإعاقات عبر قنص الأرجل والتركيز على استهداف الصحافيين والمسعفين والأطفال والنساء، أملًا في ضعضعة الجبهة الداخلية، إلا أن المسيرات استمرت وإن كانت بوتائر مختلفة، أسبوعًا إثر آخر، بما في ذلك مرور شهر رمضان، والذي راهنت إسرائيل على أن يُفقِد المسيرات زخمها، غير أن ذلك لم يفلح أيضًا، فقد تكيّفت المسيرات مع رمضان وبعده عيد الفطر المبارك.

وبالتالي استطاعت المسيرات تجاوز المطبّات المفتعلة والطبيعية التي اعترضت طريقها، واستمرت دون كلل، راغبةً وآمِلةً في تحقيق أهدافها.

ما حدا بالاحتلال للدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الفصائل الفلسطينية تحت هدف معلن وهو الوصول إلى تهدئة، فيما أخفت إسرائيل هدفها الحقيقي المتمثل في شراء الوقت، وسحب البساط من تحت المسيرات المؤرّقة لها، وتفريغها من مضمونها وأهم ركائزها الحشد الجماهيري.

وقد لعبت الوساطات دورًا مهمًا في تحقيق ذلك -عارفة أو جاهلة- إذ تم إغداق الآمال والأمنيات بقرب كسر الحصار مقابل إنهاء ظاهرة البالونات الحارقة، واستعادة الهدوء الذي شهدته مناطق غزة وغلافها المحتل منذ انتهاء عدوان 2014، إذ تزامنت مسيرات العودة مع جولات تصعيد ميدانية هي الأشد منذ ذلك التاريخ.

وفعلًا استطاعت إسرائيل الوصول إلى أحد أهدافها بتبريد الجبهة الجنوبية؛ إذ تم تقليص البالونات الحارقة والرشقات الصاروخية على مستوطنات غزة مقابل إعادة فتح معبر كرم أبو سالم، وتوسيع مساحة الصيد إلى تسعة أميال، ووعود أخرى استطاعت إسرائيل التنصل منها عبر إحدى أذرعها، وهي السلطة الفلسطينية التي وقفت حجر عثرة أمام تبرع قطر بسداد رواتب موظفي غزة من الجهتين لمدة ستة أشهر، وكذلك مساهمتها في تحسين جدول الكهرباء للمواطن الغزي.

وبذلك جاءت إجازة عيد الأضحى المبارك، والذي شهد هدوءًا في جبهتي المعركة، حصلت إسرائيل من خلاله على ما تريد ولم يحصل الفلسطيني على شيء يذكر، ما خلا الوعود الرنانة والأماني الكبيرة وشيكات بدون رصيد!

ما تسبّب بخيبة أمل كبيرة لدى الجمهور الفلسطيني الذي تساوق جزء كبير منه على المستويين الفصائلي والشعبي مع الوعود الوردية، واصطدم الجميع بواقع عدم تحقيق إنجاز ملموس، وبالتالي مرّت مسيرات العودة وكسر الحصار باختبار صعب ومفترق طرق دقيق جدًا، فخيبة الأمل تُلقي بظلالها، وفاتورة التضحيات الكبيرة ماثلةً أمام الجميع بمن فيهم قيادات الفصائل والمقاومة، المطالبين بترجمة هذه الفاتورة إلى إنجاز حقيقي يلمسه المواطن.

كانت إسرائيل تراقب هذه التطورات وهي تظن أنها نجحت في كبح جماح المسيرات، وفرّغتها من مضمونها وقصمت عمودها الفقري «الحشد الشعبي»، إلا أن فعاليات الأسبوع الخامس والعشرين شهدت تطورًا لا يقل أهمية عن تطورات الأسبوع الأول «يوم الأرض»، ولا «يوم نقل السفارة» في الرابع عشر من مايو، فهذه أبرز المحطات التي شهدت مفترقات طرق استطاعت الجماهير أن تتقدم فيها وتحرز الانتصار على البساطة السياسية من جهة، والمكيدة السياسية من جهة أخرى.

وكأنهم يقولون تعلّموا منا الدرس، لا تركنوا إلى وعودهم، ولا تفاوضوا إلا وأنتم فوق الجبل وسهمكم في قوسه لا في جرابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد