يُعتبر توفيق الحكيم رائد المسرح الفلسفي الرمزي في الأدب العربي الحديث، ذلك إلى جانب شهرته التي أكتسبها كأديب حالم يكتب الأدب للأدب بلا أي ميول سياسية واضحة في كتاباته. وقد ساعدته الصحافة في ترويج هذه الفكرة بعد أن نجح في تقديم نفسه لجمهوره على أنه أديب فاذ يُنشئ الفن للفن، ولا يجنح للسياسة تحت مختلف الظروف، ففي الوقت الذي كان معاصروه أمثال طه حسين ومحمد حسين هيكل وإبراهيم عبد القادر المازني يُحسبون على معسكر “الأحرار الدستوريين” حينها، كان الحكيم مستقلًا بذاته يرفض تولي المناصب الوزارية ولا يسعى لدخول مجلس الأمة.

رغم ذلك لم يكن صانع الأقنعة توفيق الحكيم بمعزل عن السياسة والقضايا الاجتماعية، بل إنه يعتبر من أخطر كتاب الفكر السياسي والاجتماعي في تاريخ الأدب العربي، فكثيرًا ما نجده حاضرًا بقلمه في العديد من معارك مصر الوطنية التي شهدها عصره. فقد حضر بكتابه “عودة الروح” في العشرينيات ليحسم معركة الاستقلال الوطني، وفي الثلاثينيات كان كتاب “عصفور من الشرق” ليقول كلمته في الأزمات الثلاثة الكبرى التي واجهت مصر أيامها، وغيرها من الأعمال التي تناولت بداية الشيوعية المصرية إلى قضية انتماء مصر للعروبة.

في فترة الثلاثينيات بالتحديد لم يكن توفيق الحكيم يملك سمت معاصريه من الأدباء أمثال طه حسين ومحمود عباس العقاد، رغم أنه كان أديب في الأربعين من عمره يخطف أنظار الشباب بآرائه وفكره ويلتف الكثيرون حوله، إلا أننا لم نجد صوته مجلجلًا في الساحات والمنابر، كان كثيرًا ما يلتزم الصمت، حتى حين يُدلي برأيه في قضية ما يُرفع عنه الحرج، آراء لو قالها غيره لزُج بهم في السجون بتهمة هدم نظام الحكم كتجديفه ضد الديمقراطية والليبرالية في مصر ومطالبته بإقالة حكومة “محمد محمود”، لكن عدم انتمائه السياسي كان دائمًا ما يشفع له.

في تلك الفترة لم يكن جمال عبد الناصر الزعيم والمخلص، بل كان فتى في مُقتبل العمر يتحسس طريقه في الحياة وينتظر تخرجه من المدرسة الثانوية، لذا نجد أن توفيق الحكيم ساهم في تشكيل وعي وثقافة الفتى جمال عبد الناصر، فنقرأ في كتاب “عبد الناصر وصحبه” للمؤرخ الفرنسي جورج فوشيه قائمة طويلة بالكتب التي قرأها عبد الناصر وساهمت بشكل واضح في تشكيل شخصيته، تتضمن رواية البؤساء لفيكتور هوجو، وقصة مدينتين للأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز، ومسرحية “يوليوس قيصر لشكسبير”، إلا أن العمل الأدبي الأكثر تأثيرًا في حياة الفتى جمال كانت رواية “عودة الروح” لأديب البرج العاجي توفيق الحكيم.

“عودة الروح” هي روايته الخالدة، والتي اتخذ منها الحكيم بعدًا هامًا في الشخصية المصرية، تلقي الرواية الضوء على مجموعة من الإخوة انتقلوا سويًا من ريف مصر للعيش في القاهرة من أجل كسب الرزق، ساعدهم على ذلك قريبتهم “سنية” التي انتقلت للعيش معهم وعملت على خدمتهم، المُلفت في العمل هو محاولة الحكيم توحيد الأشقاء في كل ما يحدث لهم بحياتهم فنجدهم يعانون سويًا، وحين يتيسر بهم الحال يُحدث ذلك لهم جماعة، حتى في مشاركتهم في ثورة 1919 يؤكد الحكيم أنهم انتقلوا جميعًا للمشاركة كل بدافع شخصي يخصه، نجح من خلال ذلك أن يوحد توفيق الحكيم معاناة وفرح الشخصية المصرية، ويؤكد أن المصريين توحدوا  بكل طوائفهم خلف رجل واحد هو الزعيم الراحل سعد زعلول.

إلا أن نشر الرواية جاء متأخرًا، حين ظهرت الرواية للقارئ العربي في عام 1933، الأمر الذي دفع العديد من النقاد إلى إعادة النظر في المخلص أو الشخصية الوطنية التي يحتاج المصريون إلى التوحد خلفها، رأى البعض أمثال الدكتور لويس عوض أن تلك الشخصية لم تكن متمثلة فقط في شخص الزعيم الراحل سعد زغلول، بل أننا أمام عمل تنبؤي من الدرجة الأولى، يمهد لظهور زعيم ينجح في توحيد كل المصريين، خاصة حين تقرأ الرواية وتجد الأثري الفرنسي مسيو فوكيه –أحد شخصيات العمل– يقول: “نعم، ينقص هذا الشعب الرجل الذي يتمثل فيه كل عواطفه وأمانيه ويكون له رمز الغاية، عند ذلك لا تعجب لهذا الشعب المتماسك والمستعد للتضحية إن أتى بمعجزة أخرى غير الأهرامات”.

اتجهت الأنظار حينها إلى الشخص القوي الذي سيأتي من طينه هذا الشعب، ومر على ظهور “عودة الروح” عشرون عامًا إلى أن قامت ثورة الضباط الأحرار وجاء في أعقابها بعدة أعوام الزعيم “عبد الناصر” ليخلص مصر من سياسة الإقطاع ويُعلن انتصاره للفلاح المصري، ويؤكد على مجانية التعليم إضافة إلى العديد من الإصلاحات في مجالات مُختلفة أثبتت بحق أنه كان الشخصية المنشودة، وقد أكد عبد الناصر على ذلك في إهدائه الذي كتبه على إحدى نسخ كتابه “فلسفة الثورة”، حين كتب: “إلى باعث الأدب توفيق الحكيم مطالبًا بعودة الروح مرة أخرى بعد الثورة “، ذلك إلى جانب تحيز الزعيم الراحل لتوفيق الحكيم في العديد من المواقف حين استثناه من عملية تطهير وزارة المعارف ومنحه قلادة الجمهورية عام 1958.

وإن كانت الروح قد عادت للشعب إبان ثورة 1952، فهناك من يرى أنها عادت مجددًا في ظل مرحلة نعيشها يُخيم عليها غبار الناصرية والنعرة الاشتراكية، فكل ما فعله عبد الناصر بدافع خلاص الشعب، يفعله حُكام اليوم ربما بنفس الدافع أو لأسباب لا يعلمها إلا الله، من نعرة العروبة إلى ريادة مصر في المنطقة وإعادة تسليح الجيش. من عاش حُقبة عبد الناصر وقرأ التاريخ جيدًا يُدرك أن مصر مُقبلة على فترة إصلاحية هامة، يُنتظر فيها فتح السجون للحفاظ على الخطوات الإصلاحية والزج بالعابثين في المُعتقلات كما فعل عبد الناصر، لكن تبقى آفة حارتنا النسيان وإهمال التاريخ، وإغفالنا دور الأدب وتأثيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد