النفس تذوق من المعاني بقدر ما وهبها ربها من فهم!

تختلط في الإنسان خلال مرحلة ما من حياته تجاربه، فيكون من الصعب عليه الفصل بين خبرته الدينية التي ورثها ومارسها وبين تجربته الروحية الخاصة والتي عادة لا يشاركها مع أحد وبين عقلانيته التي تفرض في كثير من الأحيان نفسها عليه خاصة عندما تكون هي نواة حياته، ولكن من غير الممكن أن ينسلخ الإنسان عن بيئته وثقافته وذكرياته مهما تجذرت عقلانيته فيه، وهذا أمر إنساني مخالفته تعكس خللًا في شخصية الفرد.

لطالما حاولت فهم التجربة الصوفية التي كانت منتشرة في نسيج بيئتي ولكثرة ما تركت فيني أثرًا ما زال مستمرًا ولا أظنه سوف يزول، قصص كان يرويها جدي عن كرامات الأولياء وأهل الخطوة وأحاديث الصالحين كانت تعد أول جرعات المعرفة التي بدأت أرتوي منها منذ الطفولة، وفيما بعدها من جلسات تحفيظ القرآن وحضور حلقات الذكر بعد صلاة العشاء.

أول ما يحضر في ذهني من تلك المرحلة هي كلمة الحضرة، ورغم المشاعر الروحية الكبيرة التي كانت تتملكني إلا أنّ الطفولة كانت تمنعني من أن أفهم ما يجري، حين كنت انتظم بجانب جدي في شكل دائرة مع آخرين وتبدأ الحضرة بترديد الأناشيد وتدريجيًا يعلو الإيقاع والحركة سويًا ويصبح تمييز الكلمات صعب وكل ماهو واضح هو كلمة نرددها جميعًا (الله.. الله.. الله) بعدها يسقط أحدهم أرضًا مغميًا عليه ونسمع البعض يقول بعد انتهاء الحضرة إن تلك هي حالة الجذب والفناء، وهي غاية الحضرة وعمقها لمن يخشع فيها.

نكبر بعدها ونقرأ ونتزود بالمعرفة من مصادر أخرى أكثر واقعية ولكن تظل تلك اللحظات متجذرة في أعماقنا وأكاد أحيانًا أشفق على من لم يعش حضرة صوفية ولو لمرة واحدة.

فيما بعد كان اللقاء بالشيخ الأكبر ابن عربي هو الجواب، فأنت حينما تقرأ كتب الشيخ لا تقرأ لشخص بينك وبينه أكثر من ألف عام، بل هو حاضر في نسيجك الذي عشت تجربته يومًا، ومن خلاله أدركت معنى الذكر والحضرة ولماذا يجب أن تكون في شكل دائرة ولماذا يتكرر اسم الله فيها وما هو الجذب والفناء والشطح، ولماذا السر والكتمان واللغة المرمزة في أفكار الصوفية وشعرهم.

محي الدين ابن عربي الذي ولد في الأندلس عام 1165 وتوفي في دمشق 1240 ودفن في سفح قاسيون يعد من أقطاب الصوفية الحقيقية وليس تلك التي نرى قشورًا لها أحيانًا في الواقع ونقرأ بعض عبارات صوفية مبتذلة على صفحات التواصل الاجتماعي. لم أندم يومًا على سنتين كاملتين كنت متفرغًا فيهما للشيخ ابن عربي، قراءة مستمرة وتفكير ومحاولات عديدة لفهمه، إن فكره ومؤلفاته تشبه محيطًا بلا شواطئ، وهذا ما جعلني أتجنب الدخول مرة أخرى بعدما خرجت بالقليل من روحانيته وعرفانه.

أبياته الشعرية التي تتسع لكل العقائد من الوثنية إلى الإسلام واليهودية والمسيحية تخبرك بأنه استطاع الجمع بين الدير والمسجد والصومعة وغيرهم من المعتقدات لأنه عرف أنها جميعًا تستند إلى ذات الأصل الوجودي، فهي ببساطة تمثل العلاقة بين الخالق والمخلوق، ولكن بصور وأشكال مختلفة.

لقد صار قلبي قابلًا كل صورة.. فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف.. وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت.. ركائبه فالحب ديني وإيماني

إن شروحاته العرفانية جعلت ابن عربي يستطيع أن يميز فلسفيًا بين الدين الإلهي الواحد وبين أديان المعتقدات كافة، فالدين في تعاريفه الشتى يُعد نسقًا من العقائد بوصفها قضايا إيمانية يرتكز عليها رجال الدين، وهو ظاهرة اجتماعية يهتم بدراستها الانثروبولوجيا، ويرى المتصوفة أنّ الدين، دين أي شخص هو تجربة روحية، لذلك وُجد التعارض بين الفقهاء والمتصوفين، حيث يعتبر الفقهاء أن مصادر المعرفة ثابتة القرآن والسنة النبوية، وكان من غير الممكن حدوث اتفاق بينهم وبين رأي ابن عربي الذي يقول بأنّ أساس المعرفة الدينية هي التجربة الروحية الشخصية، وبعبارة أخرى «يسعى الصوفي من خلال التأمل إلى التواصل مع مصدر المعرفة الأساسي وهو الخالق من خلال الكشف».

وهنا كان وعيّ ابن عربي حاضرًا حينما شرح أن الكشف يكون على قدر العارف، لا على قدر الحقيقة، وهذا الإدرك يمنع العارف من الزلل الذي سببه عدم إدراك قدر ذاته فيجب السر والكتمان، كما يقول الشيخ الأكبر «النفس تذوق من المعاني بقدر ما وهبها ربها من فهم».

هذا السر والكتمان كان نتيجة تجارب دموية للمتصوفة مع المؤسسات الدينية، بسبب بوحهم بالأسرار الإلهية التي لا تطيقها ولا تتحملها لا عقول العامة ولا المؤسسات الدينية الرسمية، وهذا الأمر ليس غريبًا عن العارفين وله إسقاط مشابه في قصة حي بن يقظان للفيلسوف المسلم ابن طفيل، حين وصل إلى خلاصة مفادها، إن ضعف استعداد العامة لتلقي الحقائق جعل بطل القصة يعترف بأن الوحي لابد أن يخاطب الناس جميعًا على قدر عقولهم.

ابن عربي على خلاف الفلسفة الإشراقية المتأثرة بالأفلاطونية لا يرى الوجود بنية خطية هابطة من الواحد، بل يرى الوجود بكل مافيه على شكل دائرة، الله هو مركزها، بحيث تمتد الخطوط من المركز إلى جميع نقاط المحيط، وهذه الخطوط هي الأسماء الإلهية التي لا حصر لها، وكل خط يخرج من المركز إلى المحيط يساوي صاحبه، ونقطة المركز في ذاتها ما تعددت مع كثرة الخطوط وهي في نفس الوقت تقابل كل نقطة في محيط الدائرة، لذلك ظهرت الكثرة عن الواحد.

وهذا التصور الدائري للوجود هو ما يميز فكر ابن عربي عن غيره من التصورات الفلسفية للوجود، حيث يقول «اعلم أيدك الله أن العالم دائري الشكل لهذا يحن الإنسان في نهايته إلى بدايته فلما كان خروجنا من العدم إلى الوجود بأمر الله وإليه نرجع، فلابد أنها دائرة نبدأ منه وننتهي عنده، ولو كان الوجود خطًا مستقيمًا لخرجنا من عنده وما عدنا إيه».

ومن هنا نفهم لماذا تأخذ الحضرة الصوفية شكلها الدائري، ولماذا يعلو اسم الله الله الله من الذاكرين الذين يشكلون المحيط باتجاه المركز، ولماذا ينجذب أحد العارفين باتجاه المركز ويفنى كناية عن الرجوع إلى الله.

يطرح العقل أمام هذا التراث الصوفي سؤالًا واحدًا، ما هي الإضافة التي قدمتها الصوفية لثقافتنا، غير التواكل والبحث عن الكرامات التائهة في قبور الأولياء، والتبارك بها، ستلاحظ في زيارة لأي مزار صوفي، حجم الناس الذين يطلبون الشفاء من الولي والرزق والتيسير والحفظ من الأقدار وغيرهم.

الناس بسبب الفقر والمرض والتخلف هي من تحمل هذه المسؤولية التي حرفت الصوفية عن هدفها في كشف الحقيقة مباشرة من الخالق، عمق الصوفية لم يكن لاستجداء الناس، بل لاستجداء الخالق، وفي الوقت ذاته أين يلجأ الناس إن لم يلجأوا إلى الله وأوليائه في ظل هذه الفوضى كلها؟ إنها صيغة معقدة، ولكنها مفهومة، خصوصًا لمن يعيشها ويفهم طبيعة مجتمعه كالأديب نجيب محفوظ حين قال في أحد اللقاءات الصحافية: «أنا أحب الصوفية مثلما أحب الشعر الجميل، ولكنها ليست الإجابة. الصوفية مثل السراب في الصحراء، يناديك، أن تعال فاجلس واسترح قليلًا. إنني أرفض أي طريق يرفض الحياة، ولكنني لا أملك إلا أن أحب الصوفية لجمالها الشديد. إنها لحظة راحة في خضم معركة، الحل الحقيقي لمشكلاتنا ليس في استشارة شيوخ الصوفية، بل في البنك الأهلي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات