لا يمكن اعتبار غسان كنفاني قاصًا ينسج في مخيلته كغيره من الروائيين أحداثًا تنتهي بفرحة الحب أو مأساة الفراق، بل مثلت رواياته تاريخًا مصورًا لمأساة الشعب الفلسطيني وكشفًا لمحاولة الاحتلال الإسرائيلي إحلال تاريخه وروايته المزيفة مكان الحقيقة التاريخية لوضع فلسطن بجغرافيتها وثقافتها وأبنائها الذين يعيشون فيها.

تكلمت الرواية بلسان الفلسطيني (سعيد) الذي يرتبط بمدن فلسطين وقراها وأزقتها، السيد سعيد وزوجته صفية اقتُلعا من منزلهما الكائن في حيفا كآلالاف من الفلسطينيين نتيجة لنكبة 48 وطوال طريق العودة ظلّت الحيرة ملتصقة بكلمات وأسئلة سعيد لزوجته يبحث خلالها عن إجابة هو موقن أنه يعرفها، بصياغة أخرى يبحث عن تبرير للواقع الذي يرفض التسليم به.

في المشهد الأول يدور حوار بين سعيد وزوجته على أبواب حيفا، الحوار يعكس الواقع الجديد الذي صاغه الاحتلال، واقع يَفرضُ على الفلسطيني صاحب الأرض ومالك البيت أن يقطع مسافات طويلة ويمر على حواجز كثيرة، لقد بدأت إسرائيل احتلالها بسرقة الأرض وجعل أهلها أغراب عليها، عبَّر سعيد عن الواقع الجديد بقوله لصفية: «أنت لا ترينها، إنهم يورونها لك» فإسرائيل التي ضمنت نفوذها وتوسعت رقعتها الجغرافية وغيرت الديموغرافيا لصالحها فأحلت آلاف اليهود في بيوت الفلسطينيين وثبتت أقدامها على الأرض، لقد حان الوقت لتبسط سيادتها وسلطتها بالكلمة والقرار، «عليكم أن تقبلوا ان تكونوا خدما لنا، معجبين بنا»

في المشهد الثاني يتطرق الكاتب للتغيير الثقافي الذي تسعى إسرائيل لكسبه أو في الحقيقة الذي تريد سلبه؛ فهي دون ماض ولا تاريخ ولا حضارة، يصل سعيد وصفية إلى منزلهما في حيفا حيث تعود بهما الذكريات إلى أيام الحرب حينما تركا ابنيهما «خلدون» وحالت بينهما الرصاصات والقذائف، قادتهما أقدامهما إلى حيث التقيا أول مرة وتزوجا، لقد كانت امرأة عجوز قادمة من إيطاليا تستوطن منزلهما، لقد لاحظا تغير ملامح المنزل؛ «غيروا الجرس … والاسم طبعا» وكذلك عبارة «حين استدار عائدا إلى مكانه رأى أن الستائر قد تغيرت»، نجد أن إسرائيل عملت على تغيير الهوية بعد أن نجحت بالسيطرة على الأرض، عملت على إحلال ثقافات دخيلة وإلباسها الثوب الفلسطيني وإسكانها في بيوت الفلسطينيين، فهي تعلم أن الصراع القائم هو صراع عقائد وقناعات، صراع قومية وهوية، صراع عقول يضمن السيطرة على الحاضر وصياغة شكل المستقبل.

في المشهد الثالث يتمرد سعيد على دبلوماسيته وتنفجر في قلبه مشاعر العودة، يرفض التسليم بالواقع رغم أنه دخل حيفا بعد غياب قسري وعاد إليها بعدما سُمح له ذلك، لقد عاد كما خرج دون إرادته، وقف أمام افكاره طويلًا، ردد في نفسه «العجوز لا ذنب لها»، جملة رددتها شفتاه وأعادت صياغتها مشاعره المتعلقة بأرضه وبيته، لا بد لكل من يقدم إلى فلسطين أن يعلم أن مواثيق السلم واتفاقيات السلام لا تنطبق عليه، ربما لم يحمل السلاح، ربما رفض ممارسات الإحتلال، البكاء كما حصل مع العجوز على طفل يلقيه جندي إسرائيلي في الشاحنة يُظهر وحشية الاحتلال، كل تلك المشاعر لا تهدم فكرة أخذ بيت مسروق والأكل من فاكهة مسروقة!

المشهد الرابع هو أخطر مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، هي المعركة الأخطر من معركة البنادق والدبابات، هي معركة السيطرة على العقول وقبول العربي فكرة الوجود الإسرائيلي، بل يتعداه للبس البذلة العسكرية الإسرائيلية دفاعًا عن الكيان المحتل؛ في تلك اللحظة التي دخل فيها «دوف» تشكلت ملامح الهوية الإسرائيلية في عينيه وردة فعله وما قابلها من ردة فعل سعيد وصفية، هنا يكشف كنفاني بعضًا من الأكاذيب التي تعشعش في وجدان الأطفال اليهود في فلسطين الذين يتربون عليها وينشؤون في كبسولتها، كالقول أن والدتك ماتت ووالدك قتله الفلسطينيون في أحد الحروب! هذا ما حدث مع دوف حين قال للعجوز: أنا لا أعرف أمًا غيركِ، أما أبي فقد قُتل في سيناء قبل 11 سنة ولا أعرف غيركما! لقد تنكّر خلدون لهويته الوطنية قبل أن يتبرأ من أبويه.

ربما يمكن القول أن الظروف التي قد تجعل الفلسطيني يرحل لا بد له أن يتجاوب معها ولا يختلق عذرًا يكون أقبح من ذنب فراره من أرض المعركة، لا عجب من المطبعين الذين يهرولون نحو التطبيع وفي ذات الوقت يتأسفون على الأرض التي تقرضها إسرائيل يوميًا، فهؤلاء يذرفون دموع التماسيح والقضية هي فرصة للبروز والخروج بأكثر المكاسب الممكنة.

في المشهد الأخير يصف سعيد معنى الوطن: ما هو الوطن؟ ولكن لا بد من الوقوف مع جملة وردت على لسان «دوف» قائلًا: إن الإنسان في النهاية هو قضية؟! هذه الجملة برر فيها «دوف» موقفه بأنه عاش لأجل قضية يؤمن بها وإن كان أبواه عربيين فالفضل لبقائه وارتقائه هو لإسرائيل وجيشها.

يعقب الأستاذ سعيد بقوله: جدير أن يحمل خالد السلاح لأجله (أي الوطن) وهو لا يعرف أيًا من السابق! لا بد أن الوطن يمثل أكثر من بقعة الجغرافيا أو الذكريات التي تعشعش داخل ذاكرة الفلسطينيين، أكثر من صورة القدس على الجدران، أو الستائر، إن الأوطان تُبنى بأيدي الرجال، والأشجار تُسقى بالدماء لا بالدموع، إن الوطن أكبر من طفل ومن بيت ومن ذاكرة، الوطن هو مستقبل الأطفال وماضي الكبار، إن الوطن أكبر من أي شيء وأغلى من أي شخص!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حيفا, عائد, فقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد