أعلن أكثر من 100 مسؤول في حزب النهضة الإسلامي التونسي استقالاتهم احتجاجا على اختيارات قيادة الحركة في مواجهة الأزمة السياسية في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا.

ويأتي الانقسام داخل صفوف حزب النهضة وسط أزمة سياسية عميقة في تونس. وفي يوليو (تموز)، قرر الرئيس قيس سعيد إقالة رئيس وزراء البلاد، وتعليق عمل البرلمان، وتولي السلطة التنفيذية، قائلًا إن ذلك كان بسبب حالة طوارئ وطنية. ووصفه منتقدوه بأنه انقلاب.

وجاء مداخلة سعيد وسط حالة من الإحباط بسبب انتشار الوفيات المرتبطة بالوباء والفساد والتحديات الاقتصادية. وقد أشار سعيد، الذي لا يزال يحظى بدعم واسع النطاق عبر التونسيين، إلى أنه يرغب في تعزيز دور الرئاسة وتغيير القوانين الانتخابية.

ومع ترسيخ سلطته بين يديه من خلال مرسوم رئاسي في 22 سبتمبر (أيلول)، يبقى السؤال عما إذا كان التحول إلى نظام رئاسي بصلاحيات مركزة يمكن أن يساعد في مكافحة المشكلات الاقتصادية في تونس مع تعزيز ديمقراطيتها.

ونحن نجادل بأن نهج سعيد سيواجه قيودًا جوهرية لأن بعض مشاكل تونس لها جذور هيكلية، وتغيير نوع النظام لا يوفر بالضرورة حلولًا لها. وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى الإرث المؤسسي لتونس، فإن توطيد السلطة يهدد بزيادة عدم المساءلة والفساد. وإذا كان الرئيس يرغب في دفع البلاد إلى الأمام، فسيتعين عليه التعامل مع مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة بدلًا من حصر عملية صنع القرار في قصر قرطاج.

وعلى الرغم من نجاح تونس في تعزيز الحريات الفردية منذ ثورة 2011، فإنها لم تحرز سوى تقدم ضئيل في حل مشكلات الفساد المستشري أو الاقتصادية، والتي تفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19. ومنذ 25 يوليو، نجح سعيد في الحد من الوفيات المرتبطة بالوباء، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى التبرعات التي قدمتها دول أخرى، واتخذ بعض الخطوات على الجبهة الاقتصادية، مثل الشروع في التعاون مع اتحاد متاجر التجزئة لخفض أسعار بعض المنتجات.

ومع ذلك، لم تكن هذه المبادرة كافية للحد من التضخم، لا سيما في أسعار المواد الغذائية. وبالمثل، كان القضاء المشجّع يلاحق السياسيين المشتبه في تورطهم في الفساد، من بينهم النواب المشتبه بهم بالتهريب وغسيل الأموال والتهرب الضريبي وإساءة استخدام مشروعات الدولة.

وعلى المنوال نفسه، فقد حل سعيد محل بعض المحافظين وغيرهم من كبار المسؤولين في الدولة، وهي مهمة كان يتولاها مجلس الوزراء تقليديًّا. وتُظهر هذه الإجراءات مدى تماسك السلطة في يد سعيد للتغلب على الفساد المستشري.

وكبلد متأخر التصنيع، يحد العجز التجاري والديون العامة الكبيرة من القدرة على الإنفاق المحلي وتوزيع الرفاهية في تونس. ويتفاقم هذا الوضع بسبب ارتفاع الحواجز أمام دخول رواد الأعمال المحليين إلى السوق، وانتشار لاعبي حق النقض، والفساد المستشري، والتضخم الثابت، والذي يتم استيراده جزئيًّا من خلال سعر الصرف.

وعلاوة على ذلك، نظرًا إلى عقود من الحكم الاستبدادي، تتمتع تونس بتراث مؤسسي تنازلي وتوزيعي وغير خاضع للمساءلة في الغالب، مما يؤثر في عمل العديد من المؤسسات، مثل البيروقراطية والقطاع الخاص والنقابات وحتى قوات الأمن. وحتى الآن، لم يضع سعيد أي خطط واضحة لمعالجة هذه القضايا الهيكلية.

كما أن عدم وجود إستراتيجية واضحة يهدد بحصر مبادرة مكافحة الفساد في بعض القضايا البارزة وفقدان الزخم بمرور الوقت، حيث تم إغلاق معهد مكافحة الفساد بعد 25 يوليو.
وعلاوة على ذلك، فإن توطيد السلطة في رأس واحد يمكن للمفارقة أن يشجع بعض الممارسات الفاسدة في المستقبل.

وبسبب غموض الخطط، تطالبه الآن بعض المنظمات، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي دعم قرارات الرئيس في البداية، بإعلان خارطة طريق واضحة وتحديد موعد الانتخابات التشريعية. وعلى الرغم من أن الدستور ينص بوضوح على شروط المصادقة على القوانين، فإن سعيد قد يختار طرح الإصلاحات على الاستفتاء دون مطالبة البرلمان بالتصديق عليها.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سعيد مهتمًّا باختيار خطته المتصوَّرة، أم سيقبل بـ«حل وسط» من شأنه أن يحافظ على دور الأحزاب السياسية والبرلمان. وعلاوة على ذلك، كما تشير استطلاعات الرأي، ليس هناك ما يضمن أن الأغلبية ستدعم النظام الرئاسي .

ونتفق على أن إنهاء الفساد وتعزيز القدرات القضائية هما شرطان أساسيان للتوصل إلى حل وسط قابل للتطبيق. ويمكن تحقيق هذه الأهداف من خلال إنشاء محكمة دستورية، وتقوية القضاء، ووضع شروط جديدة على الحصانات البرلمانية دون ترسيخ كامل للسلطة في يد الرئيس.

ومن غير المحتمل أن يسمح الهيكل المؤسسي الحالي لشخص واحد بحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية للبلد. وبدلًا من ذلك، حان الوقت للاعتراف بأن تنوع المصالح المختلفة في تونس والتنافس بينها، إلى جانب تراثها المؤسسي، يتطلبان نهجًا قائمًا على التواضع والحلول الوسط التي من شأنها أن تشمل الرئيس والبرلمان والأحزاب السياسية ومنظمات الأعمال والنقابات، وغيرها من منظمات المجتمع المدني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد