كان أحدهم يصلي بجواري فرنّ هاتفه الجوال فأخرجه من جيبه وأخذ يقلب فيه مدةً طويلة وكأنه خارج الصلاة، وكنت أتوقع أن السارق من صلاته هو فقط الشارد بذهنه ولكن الموضوع تطور كثيرًا وأصبح مع الشرود أشياء أخرى من التفات وموسيقى وغيرهم، تحول بينه وبين نظر الله إليه، قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعًا).

فإن من أعظم الآفات التي تبعدنا عن جوهر الدين هو الاهتمام فقط بالظاهر وترك الباطن بما يحوي، فما فائدة الظاهر المدعي التقوى مع قلوب تحمل غلًّا وحقدًا على عباد الله، وما فائدة من يحج ويعتمر ويصلي الأوقات كلها في جماعة وهو يقطع أرحامه وما فائدة منتقبة وملتحٍ ولا يتقي الله في أفعاله وتصرفاتهم مع خلق الله، إن الإسلام كُلٌّ لا يتجزأ ولا تستطيع أن تأخذ ما يهواه قلبك وتترك ما يثقل عليك، فإنه دستور عظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولم يترك الله لنا شيئًا إلا وبين حكمته ولكن المشكلة كانت بيننا فأخذنا ما نهواه وتركنا ما لا نحب.

بعض الناس عندما تتناول الطعام يتخذون البلع طريقًا لهم كأنهم يريدون فقط امتلاء المعدة والسلام ولا يريدون التلذذ بالطعام والشراب الذي أمامهم، وهكذا حال المعجل لصلاته كأنه يريد أن يتخلص من الفرائض سريعًا وكأن راحته في انتهاء المهمة ولكن الصلاة راحة كما قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا بلال رضي الله عنه أرحنا بها يا بلال.

المطلوب فقط أن يعي الإنسان ما يقول من قراءة الفاتحة بتدبر وبعض آيات القرآن التي تُتلى أو يقرؤها ويستوعب معناها على قدر المستطاع من فهمه، وهذا الخشوع لا يحصل إلا من خشوع القلب ولا يخشع القلب إلا بإفراغ الشهوات منه والإقبال على الله بتوبة وخضوع وكما يقول ابن مسعود رحمه الله (اطلب قلبك في ثلاثة مواطن، عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجد فاسأل الله أن يمن عليك بقلب، لأنه لا قلب لك).

ولأن الصلاة عمود الدين ولأن الله لا يتقبل من قلب لاهٍ، ولأن الفلاح مرتبط بالخشوع في الصلاة، ولأن الخشوع هو الطريق لانكسار القلب بين يدي الخالق، والقلب إذا خشع تبعته كل الجوارح والأعضاء، فكان لابد من الاهتمام بالخشوع وجعله هدفًا أساسيًا من أهداف العبد في صلاته إن الخشوع ليس وليد لحظة ولا اجتهادَ يومٍ وإنما الخشوع يحتاج إلى عمل من قبل قدومك للمسجد يحتاج إلى تفريغ القلب من الشهوات والشبهات وحب الدنيا، يحتاج إلى خشية الله قبل الصلاة وقبل قدومك إلى بيته، يحتاج إلى الوقوف عند حدوده قبل أن تقف على أبواب مساجده، فإن الصلاة جسد وروحها الخشوع ولا فائدة من صلاة بلا خشوع، فارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، ورب قائم ليس له حظ من قيامه إلا السهر والتعب.

إن الطريق للخشوع يحتاج إلى بعض الجهد مع اليقين بأن الله يهدي عباده المجاهدين (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) وإننا نفعل بعض الأشياء التي اعتدنا عليها كل يوم فنقوم بعملها يوميًا بشكل تلقائي كمثل الدابة التي اعتادت على طريق بيت صاحبها فتعود دون قائد، فنقف بين يدي الله دون الشعور ونردد الفاتحة دون وعي معانيها ونردد آياتنا القصيرة دون تغيير لباقي آيات القرآن العظيم وكأننا لا نريد أن نحفظ إلا بعض آيات الجزء الثلاثين ونردد الأدعية المحفوظة في عقولنا الباطنة دون تغيير.

لقد حان الوقت لمعرفة كيف نخشع بالقليل من الجهد من حفظ آيات جديدة مع قراءتها في صلاتنا بتدبر وتنوع في الأدعية والمناجاة لله، مع استحضار عظمة الله سبحانه وتعالى في قلوبنا فقد تكون آخر صلاة لنا، فإن من شروط إجابة الدعاء أنه لا يتقبل الله من قلب غافل لاهٍ، فلنقبل على الله بقلوبنا قبل أبداننا وليخشع القلب حتى تخشع الجوارح حتى يتقبل الله منّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد