في رحلة خارج مدار الزمن يصحبنا باتريك موديانو الروائي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للآداب لعام 2014، ليشق طريقا متضارب المسار نحو اللاشيئيات أو اللايقينيات، فينطلق بسرمدية تامة باحثًا عن وطنه الضائع في ذاته حتى يتضارب هو نفسه ليجدها أمام حب ضبابي فقده عن طريق عدم توفره له في اﻷصل منذ سنين.

هكذا يقوم موديانو ببدء روايته الرومانسية، في نظري أنا على الأقل؛ بالتلاعب بخيال يتداعى آخذًا القارئ من منحدر لآخر بطريقة سلسة وبسيطة، عبر استرساله بكتابته العميقة كالحلم دون أن ينسى في منتصف نصه أن يضع، كما يحدث في الأحلام؛ بعض الأشياء المزعجة معبرا عن وجوديته بتساؤلاته اليقينية التي يبحث لها عن إجابة لا يجدها.

فموديانو يشك في سنواته الضائعة وفي ذاكرته وحتى في هويته، هويته الفرنسية الغائبة التي قال عنها: “باريس التي عشت فيها والتي أدرج طرقاتها في كتبي لم تعد موجودة. لست أكتب إلا كي أستعيدها.

ليس في الأمر أي نوستالجيا، فأنا لا أتحسر على الذي وجد من قبل؛ غير أنني ببساطة جعلت من باريس مدينتي الباطنية، بلدة (الحلم)؛ يتلاشى فيها الزمن وتتراكب فيها العصور. وحيث يتجسد ما سماه نيتشه بـ(العود الأبدي) من الصعب جدًا علي إذًا أن أغادرها الآن. إن ذلك ما يجعلني أستشعر مرارًا بأنني لا أحب أن أكرر نفسي وألا أراوح مكاني”.

وهي نفس الهوية التي هوجم من أجلها حين حاز على “نوبل” من الصحف الأمريكية والبريطانية التي أطلقت دعاوٍى كاذبة بأنه كاتب (محلي) لا يتحدث سوى عن الفولكور الخاص به، وهذا ما ليس له أساس من الصحة، ﻷن الحديث عن الذات، بجوانبها وطبيعتها المحاطة بها؛ لا يعتبر ضيقَ أفق أو حصارًا وعزلةً، بل إنه أسمى أنواع الأدب وأكثرها عالمية خاصةً حين يمكنه، برغم خصوصتيه الظاهرة؛ أن يعبر مكان كتابته ليلمس أعماق الناس في مختلف البقاع ويدخل أذهانهم، كما يمتعهم بالقصة التي لا يوجد مثلها وتأتي قبل كل شيء وبعده في فن الرواية.

ولنا مثال عظيم على ذلك في نجيب محفوظ بحكاياته عن الحارة؛ حيث لم تكن يومًا عائقًا لانتشار رواياته أو التقليل من كفاءتها قدر ما كانت ميزة في نجاحها وعمودًا من أعمدة عالميتها ﻷجل ما يتخللها من تفاصيل لا يعلمها غيره، وأيضًا لما فيها من فن “الحدوتة” الرائع.

أما لو عدنا لروائي الذاكرة الشخصية، كما لقب باتريك موديانو، وروايته العازفة على وتر مفقود؛ فقد أضاف لها لحنا خاصًا سنرى سرمديته الغامضة المائلة إلى فكر سيريالي مظلم، في نظري؛ عندما أظهر فلسفته قائلًا: “توازي هذه النتف من الذكريات سنوات عمرك، وقد شقت مقاطع الطرقات مسار حياتك وشرعت أمامك المخارج تلو المخارج لدرجة تشعر بحرج الاختيار بينها.

كانت الكلمات التي يملأ بها دفتر مذكراته تشير إلى المقال المتعلق بـ(المادة المظلمة) والذي كان بعث به إلى دورية تُعنى بمجال الفلكيات. خلف الأحداث المحددة والوجوه المألوفة يقبع إحساسٌ بكل ما صار لاحقًا مادة مظلمة: لقاءات قصيرة، مواعيد لم تتحقق، رسائل ضائعة”.

وبنفس الإيقاع يتابع موديانو سرده لقصته بأبطاله الباهتين بشكل جذاب في خطين متلاقيين، يكون فيهما الخط الأول والأخير هو قصة العشق البسيطة الصادقة بين كلٍّ من جان بوسمان ومارغريت لو كوز اللذين تضعهما الصدفة أمام قصة حب تبدو مستحيلة لكثرة ما فيها من خوف من المجهولات والأخطار الشخصية متمثلة في أشباح عديدة تطاردهما، وأخرى عامة سببها أن قصتهما هذه وقعت بعد الحرب العالمية الثانية؛ ما زاد من الاضطراب في حياتهما وأثر على علاقتهما بكل غياهب القلق والرعب.

والخط الثاني والفرعي إلى حد ما هو الشخصيات التي تمتلك كل منها قصتها منفردة، وتتمثل في ميروفي وبويافال وبروتيل والذين يتلاقون مع بوسمان ومارغريت مكونين صراعات وتفاصيل شتى، لكن ما يشترك بينهم جميعًا هو بحثهم المضني عن شيء مفقود؛ عن أصلهم، وهويتهم الضائعة.

ترحل مارغريت لو كوز بعد ذلك إلى الأفق بعيدًا محلقةً، بسبب الظروف المفروضة عليها هي وبوسمان، لكن عاطفة الحب تبقى في كل منهما.

وبعد قرابة الأربعين عاما يدرك بوسمان أن عليه مواجهة مأساته، استحالة تكملة حياته بلا مارغريت، فيذهب ليبحث عنها في وطنها الأم الذي عادت إليه، ليلاقي تفاصيل جديدة بحيوات أخرى ومناطق مختلفة تتمادى فيها الذاكرة مندمجة مع حبه، ليشعر أنه ربما لاقى فيها، هذه النهايات، هويته أو ما تبقى منها، ويتركنا مع سؤال وجودي كان بالنسبة لي محطة أخيرة:

“هل يُمكن فعلا أن تذهب الكلمات التي تبادلها عاشقان خلال لقائهما الأول أدراج الرياح، كما لو أنها لم تلفظ قط؟! الهمسات، الأحاديث الهاتفية عبر الزمن، آلاف الكلمات، هل تضيع كل هذه العبارات اللامعة التافهة ويكون مصيرها النسيان؟!”.
رواية بديعة من نوع آخر. كتبت لترسم الأسئلة وتسرح بخيال القارئ. فعلها موديانو، دون قصد، وهو يتنزه بداخله في الأفق البعيد.

على الهامش:

كتب باتريك موديانو ما يقرب من الثلاثين رواية، ونالت روايته «شارع المتاجر المعتمة» جائزة غونكور عام 1978، ومنح عام 1996 جائزة الأكاديمية الفرنسية تكريمًا لعمله الروائي. كما تُرجمت روايات له إلى لغات كثيرة ومنها العربية إلا أنها، للأسف الشديد، ترجمت تبعًا ﻷكثر من دار نشر في ظروف وأوقات مختلفة، فكان تشتت هذه الترجمات غير داعم لموقف الكاتب الفرنسي أو خالق لمعرفة له في الوسط الثقافي العربي، ما يشرح سر غيابه في المكتبة العربية.

الناشر: منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف
عدد الصفحات: 150
الطبعة الأولى: 2014

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد