سمعت كثيرًا بالكتاب القادم للمؤلف جابر حدبون، وكم تحمست أكثر عندما عرفت أن عنوانه «حقيبة سفر»، وكم أنا مهووس بالسفر والترحال وحمل الحقائب من مكان لمكان، هو شعور جميل لا يصوّر  وكما ذكر المؤلف في الفصل الأول:

السفر متعة من متع الحياة، ومدرسة من مدارسها، فيها يتخرج من يتخرج وهو محمل بالتجارب، مثقل بالفوائد والمكاسب، الأسفار محك الرصيد النظري في داخل كل منا ليتحول للتطبيق الفعلي، فيه تختبر الصداقات، وتتميز الأخلاق، وتنكشف الأقنعة بين أصالتها وزيفها، ويتباين الطبع عن التطبع.

يتحدث الكاتب عن رحلته بين 16 دولة مختلفة، وبين ثلاث قارات متجاورات (آسياـ، وأوروبا، وأفريقيا)، ينقلك من سريرك إلى جميع الدول التي زارها وتعيش اللحظة الممتعة كما عاشها.

من حيث المظهر، فقد نال إعجابي الكتاب من غلافه لبساطته وجماليته والإبداع الذي بين جوانبه، وما أجمل تلك الحقيبة التي تشعرك بحلاوة السفر وأنت لم تقلب بعد صفحات الكتاب، ونوعية الورق تحفزك لأن تكمل الكتاب لآخر كلمة منه وذلك الانسجام الجميل من اختيار لأيقونة لكل فصل، واختيار خط بسيط وجميل لتنسيق المحتوى.

أكثر ما أعجبني في الكاتب أنه شارك عصارة تجربته مبكرا، وما أكثر الناس الذين غادروا الحياة بدون أن ينشروا تجربتهم في الأسفار خاصة أو في الحياة عامة، ونحن الشباب في أشد الحاجة لتلك التجربة لمواجهة صعوبات الحياة وعراقيلها.

في رحلتيّ الكاتب إلى تونس والمغرب أعجبتني ملاحظته في انعدام الاختلاف الكبير بينهما وبين شقيقتهما الجزائر، وبه تحس أنك في نفس البلد لم تغادره بعد، وبنفس الجو، ونفس المعمار، ونفس البساطة الموجودة بين الشعب، وهذا ما برز أكثر بين الدار البيضاء الجزائرية والدار البيضاء المغربية.

أكثر ما تكرر بين دفتي الكتاب هو خيبة الكاتب حينما يقارن الجزائر بالدول التي زارها، أو شعور الكآبة عندما يبحث عن العرب في الدول التي زارها فالأوساخ في باريس كانت محل استغراب الكاتب لكنه اكتشف أنه في حي يقطنه عرب، وأوساخ كانت موجودة في محيط مسجد بالصين ثم اختفت بعد أن تجاوز منطقة معينة، أو شعور الخيبة الذي يتملكه عندما يبحث عن الجزائر في الملتقيات والمناسبات التي زارها وأبرزها معرض فرانكفورت الدولي وقد قال:

ككل معرض عالمي أبحث عن جناح الجزائر لأستأنس بعطر الوطن، إلا أن الخيبة تملكتني حينما مررت بأجنحة دول كثيرة رفعت علمها عاليًا وعرضت بضاعتها وما أنتج مفكروها، إلى أن وصلت لجناح ضيق جدًا يتوسط جناح المغرب وتونس وهما صغيرين كذلك، إلا أن فيهما من يمثل بلدهما، أما جناح الجزائر ففارغ يحكي حقيقة المشهد الثقافي الأدبي في بلد يتصدر قائمة الدول المشاركة لا لتوفقه ولكن لحرف A أول اسمه.

لاحظت إجحافا كبيرا في حق الكثير من الدول في الكتاب منها الجزائر، وقطر، وسلطنة عمان، والبحرين…إلخ في المقابل لاحظت سردا جميلا وآخاذا في فصول أخرى مثل المغرب وتركيا، لذلك اختل التوازن بين فصول عديدة.
وهذا يعود لتركيز الكتاب على الاختصار وذكر أهم الأمور في مغامرته، وهذا أمر إيجابي لكنه أصبح سلبيا في فصول عديدة افتقدت إلى سرد المغامرة والأحداث المشوقة التي لطالما كنت أنتظرها في كل فصل ودولة.

أرى أن الحل الأمثل مع اختصار بعض الفصول هو دمجها، وأرى ذلك مناسبا أكثر مع الدول الأوروبية ولو تم الدمج سنلاحظ انسجاما بين الأحداث وتشويقا أكثر لأنه تنقل فيها باستعمال السيارة لفتح الحدود بين جميع الدول المنضمة للاتحاد الأوروبي.

التركيز كثيرا على الفائدة وذكر الدروس المستفادة من كل رحلة ومناسبة يزورها جعل القارئ يستفيد كثيرا ويستغل تلك الدروس لأهداف حياتية مستقبلية لكنه أفقد الكتاب حلاوته المتوقعة، فلو تم دمج الفائدة مع السرد الممتع للأحداث لضرب عصفورين بحجر ولعاش القارئ أجواء حماسية ومشوقة أكثر. لكن في فصل إسبانيا لمست نوعا من التشويق في الانتقال بين مقال لآخر، ولمست أكثر المغامرة في ما حدث مع الكاتب في إحدى محطات الحافلة إلى برشلونة.. وهذا ما كان مفقودا في باقي الفصول.

كما للكاتب ملكة إبداعية في انتقاء الكلمات، يوصل لك الرسالة بسهولة وباستعمال كلمات قليلة ومختصرة ومنتقاة بعناية ويصف لك المنظر واللحظة بطريقة ممتعة ورائعة.

ومع كل هذا فإن الكتاب نال إعجابي حقا، وحرك وجداني لوضع السفر والترحال في المخططات المستقبلية خاصة لحضور التفاعلات المستمرة التي استفاد منها الكاتب في حياته العملية والعلمية وأبرز تلك التفاعلات: الجامعة الصيفية.

اقتباسات من الكتاب

– النوايا الطيبة موجودة وبكثرة ولو بصوت مبحوح.

 سر المتعة والاستفادة من هذه الفعاليات الخاصة في التنازل وسعة الصدر ورحابة الأفق وسمو الأخلاق، وتقديم الإنصات على الكلام، إذ لا تهم هناك إلا هذه المعايير، إن أتقنتها وأدركتها ظفرت بكل ما يمكن الظفر به من علاقات وأفكار وزدت لمعارفك زادا ورصيدا لا يتاح لك دائما، وبالحرص على ترك السمعة الطيبة، بعيدا عن التطرف والتمييع، متوازنا حكيما في القول والفعل. 

إذ أشار إلى مدى تعلمه من أسفاره الكثيرة، واعتبارها مدرسة هامة جدا، وذكر أنه كلما خطط لرحلة علمية إلى بلد ما، وحدد مدة العمل فيها، أضاف بعد ذلك بضعة أيام أخرى للاستكشاف والاستزادة مما يمكن استثماره والاستفادة منه في حياته.

الوقت ثمين جدا، والحمل ثقيل، كما أن الأهداف تستدعي طموحات أكبر، والتي لا تحققها بعد توفيق الله سبحانه وتعالى إلا التضحيات الكبرى، ومن التضحية كسر الحواجز النفسية والجدران الوهمية، لعل الأسفار للاطلاع و الاستلهام من أسباب توسيع الآفاق والمدارك، وتعذية العقول بما يفتح لها مما أغلق وأوصد أمامها، وأول عقبة في طريق الإنسان هو ذلك الإنسان نفسه بذهنيته وطبيعته وتراكماته المعرفية السابقة.

صرت أتحفظ من الأسماء اللامعة والألقاب الخرافية التي صار المدرب يتقمصها ويفرضها على غيره لينادوه بها وإلا تذمر واغتاظ وتملكه الحزن والاكتئاب، كل هذا في غياب العمق والتمكن والتواضع العلمي إلا قليلا عند من يحترم نفسه ويقدر مستمعيه.

الثقة من أجمل ما تحظى به الشعوب تجاه أوطانها، فما إن يحس المواطن بتلك العلاقة القوية بينه وبين بيئته، حتى يخلص ولاءه لها، ويعمل من أجل التطوير والتقدم لما وجد إلى ذلك سبيلا، ولكن ماذا يقع حين يكون العكس، ويعيش في أرض صعبة المراس مضطربة الظروف؟

– في المطارات اعلم أن قيمتك بكل بساطة هي جواز سفرك لا أكثر ولا أقل.

جميلان وآسران هما الإنسان والبيئة حين يتناغمان معا بنظام.

إنما للذاتية هنا دور كبير في إبداع الحلول التقنية بما يتناسب ويتناسق وعمران المدينة لا باستيراد الوصفات السحرية من الخارج معلبة جاهزة للاستخدام تحت مسميات الخبرة والحداثة دون اعتبار لخصوصية المنطقة.

تناول الأفكار بالعلم لا مجرد الأهواء والتسارع لكلمة «مستحيل» فالإنسان إن حكّم عقله وركّز جهده وطهّر فكره ووجّه هدفه سيصل، لا بالمعجزات والكرامات ولكن بالسنن الكونية والأسباب المنطقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد