يقوم بشارة بمجهود تأصيلي اصطلاحي مطول يشكر عليه – حتى لو لم نتفق معه – لمفهوم الثورة في العقل العربي وخارجه، هذا لما لعملية التعريف وتأصيلها في العقل الجمعي العربي من أهمية في تحديد معنى الثورة وتنقيته من الشوائب التاريخية والأيديولوجية، يرى بشارة أنه حالما بدأنا بتأصيل مفهوم الثورة وتحويلها من مصطلح يصف معاني مختلفة إلى مصطلح مفهومي يحكم إنتاج الأفكار ويتوسط بناء مؤسساتها، فإننا سنكون خطونا الخطوات الأولى نحو التحول الثوري المطلوب؟ لذا فبداية إن من واجبنا تميزه عن أقرب الظواهر إليه بأنها – أي الثورة – ظاهرة اجتماعية ذات ارتباط وثيق بتغيير النظام السياسي والاجتماعي نحو نظم مغايرة قاطعة مع الماضي، لكنها في ذات الوقت لا توجد معزولة عن الظواهر المشابهة، فهي جميعًا مقدمات ونتائج لبعضها البعض.

يبدأ بشارة في بحثه في تقصي مرادفات تاريخية لكلمة ثورة في التراث العربي، لنجدها مرادفات متعددة استخدمت لوصف ظواهر مختلفة، بداية من كلمة «فتنة» ذات الحمل المعنوي السلبي الموحي بامتحان وحدة الأمة والتسبب في تفرقها، في تعارض مباشر مع أحد مقاصد الفقه السياسي التقليدي من تقديس وحدة الأمة، واستخدمت كلمة فتنة لوصف ظواهر الاختلاف السياسي وحركات الاحتجاج الأولى بداية من فتنة عثمان مرورًا بفتنة الزنج في القرن الثالث الهجري، ثم يعرج بشارة على مفهوم قريب هو «الخروج»، والذي حمّل هو الآخر حمولة سلبية من مفارقة لإجماع الأمة، ولكنه أيضًا حمل معنى الحركة والخروج من المجال الخاص إلى المجال العام، هاتين الخاصيتين جعلته أقرب لمفهوم الثورة الحديث من حيث مرادفته للتمرد ومخالفة الأعراف والقوانين الحامية للوضع السياسي القائم.

ودولة الخروج هي الوصف الذي أطلقه ابن خلدون للدولة الناجمة عن خروج وتغلب عصبية جديدة على مقاليد السلطة، أما من ناحية شرعنة هذا التغلب فقد تولى هذه المهمة فقهاء كثر من بينهم ابن تيمية كممثل للتيار الفقهي السني العام، هذا التيار اتصف بتحريمه للخروج حفظًا لوحدة الأمة ما دامت حدود الشريعة الدنيا محفوظة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو سيقبل بشرعية المتغلب الجديد فقط بعد أن تستتب له الأمور من باب حفظ وحدة الأمة أيضًا، ولكنه اشترط المبايعة من باب حفظ الاعتبار للمرجعية الدينية فيما يشبه اليوم استخدام نفس اللفظ لإضفاء الشرعية على ممارسة مشابهة في بلادنا اليوم فيما أصبح يعرف انتخابات الرجل الواحد في استثمار للمعنى الرمزي الديني والتاريخي.

بقيت مجمل المدونة الفقهية تدور في فلك تحريم الخروج على الحاكم وبالأخص كما يورد بشارة المدونة الفقهية السلفية الوهابية، والذي يفسر العداء الشديد الذي أظهرته المنابر الوهابية للربيع العربي، يبقى أن نقول إن بشارة لا يرى نظرية الخروج والتغلب الفقهية قريبة من مفهوم الثورة الحديثة من حيث حصر أسباب التحرك المعارض بتعطيل الشريعة ومن ثم القبول بالمتغلب الجديد ما دام مبقيًا على الحد الأدنى من تطبيق الشريعة مهما كانت درجة الظلم الاجتماعي التي يمارسها، والأهم أن هذه النظرية لا تؤسس لمفارقة الأطر السياسية والاجتماعية والثقافية القائمة كما هو الحال في نظرية الثورة الحديثة.

يعرج بشارة على مرادفات أخرى أكثر حداثة تاريخيًا على الأقل كمصطلحات «هوجة، وعامية، وثورة» المستخدمة كمثال لوصف هوجة عرابي، وعامية كسروان، وثورة ابن غذاهم في تونس، هذه المفردات برأي بشارة حملت دلالات تعبر عن الغضب والحركة والشعبية، كما عبرت عنها اللهجات المحلية، وفي سياق متصل انتقد بشارة ازدواج المعايير النقدية التاريخية عند بعض التوجهات الفكرية السياسية العربية الحديثة، والتي مارست برأي بشارة مغالطات علمية بدوافع أيديولوجية مرة عندما أعادت قراءة أحداث تاريخية بعين حداثوية أخرجتها عن سياقها وظروفها بتصنيف هذه الحركات كثورات شعبية بالمعنى الحديث لصالح البحث عن جذور ثورات شعبية طبقية تربط وتقرب الثقافة الشعبية من أيديولوجيات حزبية يسارية، هذه التوجهات السياسية برأي بشارة مارست مغالطة معاكسة عندما رفضت الاعتراف بالربيع العربي كثورة شعبية واعتبرته مؤامرة وعمليات تخريبية غير شرعية.

من المفاهيم المرتبطة بالثورة كما يرى بشارة أيضًا هي مفاهيم الانقلاب والإصلاح، مع تشارك الثورة والانقلاب صفة تغير الواقع السياسي فإن الثورة في رأي بشارة فعل ذو منطلقات شعبية أقل ارتباطًا بالصراع داخل النظام الحاكم المنتج للانقلاب حتى لو كان مدعومًا شكليًا بثورة شعبية.

كما أن الانقلاب لا يعني دائمًا القطع الفكري والسياسي والاجتماعي مع النظام السابق كما هو متوقع من الثورة، ولكن المفارقة الألسنية التي يوردها بشارة هي أن مفردة انقلاب هي الأكثر مواءمة من ناحية الاشتقاق للمعنى الحديث لكلمة Revolution الإنجليزية، حيث تحمل معنى قلب وتغيير النظام الفكري والسياسي والاجتماعي القديم واستبداله بنظام مفاهيمي جديد، والأغرب أن اللغات التركية والفارسية استعارت من اللغة العربية مفردة انقلاب لترجمة معنى ومفهوم الثورة الحديثة Revolution.

أما تفردها عن الإصلاح فإن الثورة بمعناها الحديث هي منتج علماني من حيث انطلاقها من أنسنة الحقوق والمسؤوليات ونزع اَي شرعية سابقة عليها، من ناحية أخرى فإن الأصول الحديثة لمفهوم الإصلاح بدأت مع ما سمي بحركة الإصلاح الديني البروتستانتي التي نزعت هي الأخرى شرعية الكنسية الكاثوليكية وقوضت سلطتها، ثم انتقلت لميدان السياسة، وتم استعارة المفهوم ليقابل الثورة في أدبيات السجال الفكري الاشتراكي كما في مقال روزا لوكسمبورغ بعنوان الإصلاح والثورة، وهنا أصبح الإصلاح يعني أولا التدرج في مقابل التسرع الثوري وثانيًا البراجماتية وتغليب النتائج على الوسائل، بينما بقيت الأدبيات الثورية المتطرفة متمسكة بآليات الثورة العنيفة والراديكالية.

لا يرى بشارة ضرورة التعارض والقطع بين المفهومين وضرورة قبول أصحاب التوجهين بتبريرات الطرف الآخر، مع تمسكه بنقد التطرف في الاتجاهين؛ التطرف الإصلاحي الذي يمالئ أنظمة مستبدة ويمد في عمرها بدعاوى إمكانية الإصلاح مهما بلغت حالة الأنظمة تدهورًا، والتطرف الثوري على الجانب الآخر والذي يقدس الثورة بمعناها الرومانسي، ويرفض الالتفات إلى مبررات التدرج كما برر في حالات ثورية سابقة تحول الثورة إلى استبداد جديد بدعوى الضرورات الثورية.

الجدة والتجديد؛ يرى عزمي بشارة أن الثورة هي قفزة قاطعة، وليس تطورًا متصلًا متدرجًا كما هو حال الإصلاح (Revolution not Evolution) بهذا المعنى، فإن الثورة يجب أن تتضمن استبدال الإطار والنموذج (Paradigm) السياسي والاجتماعي والقانوني والثقافي السابق للدولة حتى تحقق الشروط المثالية لاعتبارها ثورة بحسب ما تقرره حنا أردنت في كتابها (الثورة)، وحين تم استعارة المفهوم في سياق العلوم ليصف الثورة العلمية فقد عني به دائمًا الوصول إلى نموذج جديد متجاوز لسابقة (ثورة كوبرنيكس كمثال) طبعًا يمكن الحديث عن تراكمات كمية تصل لنقطة التحول النوعي الثوري كما في الأدبيات الماركسية، لكن الفعل الثوري ليس فعلًا إصلاحيًا متدرجًا، ولا يمكن تحقيق النقلة المرجوة دون إحداث قطيعة وانقلاب على توازنات السابق.

وأخيرًا فإن الانتفاضات التي ترمي إلى تغيير داخل النظام وآلياته دون المساس ببنيته الأساسية فهي أقرب إلى أن تكون احتجاجات مطالبية، ولا يمكن على المستوى النظري وصفها بالثورة وإن حملت هذا الوصف من قبل المشاركين بها، ولكنه وصف شعري ورومانسي، وليس موضوعيًا.

برأي بشارة فإن الثورة فعل غير مؤدلج ابتداءً بالضرورة، حيث إن الدوافع والمحركات للقيام بفعل الثورة يجب أن تكون ذات طابع بسيط تجتمع عليه كل قوى الثورة، وإلا فلن يقوم أي طرف أيديولوجي بثورة تخدم الأطراف الأخرى (مثال ذلك واضح في ارتدادات الثورة المصرية) هذا من ناحية، من ناحية أخرى، فإن الجموع الثورية تحركها حاجاتها الأساسية غير المؤطرة أيديولوجيا، لذا نستطيع القول إن الصراع الأيديولوجي لاحق للثورة، ومهدد لها في حال طغى على توجهاتها، فهو إداة تفرقة بشواهد بعرض العالم العربي.

ينقد عزمي بشارة الأوصاف الثقافية المعلبة التي كانت تصف الشعوب بالخمول وسهولة الانقياد ويرى أنها أثبتت من خلال الثورات عكس ذلك، ولكن إذا كان نقد بشارة لهذا النوع من الأفكار لسطحيتها فإن الإجابة لا يمكن أن تكون: إن الثورة تنفي خصوصيات ثقافية كان لها دور في تاريخ هذه الشعوب، كما أن الثورة على المستوى الفكري ليست مرتبطة بالثورة على مستوى التطبيق والحاجة المادية، بمعنى أن الشعوب الأكثر حاجة للثورة (تمتلك ظروف موضوعية ناضجة) هي من تقوم بالثورة، وليس الشعوب الأكثر ثقافة ثورية.

وبالحديث عن الثورة الفرنسية فإنه تجدر الإشارة إلى الدور الذي تلعبه الثورة برأي بشارة في بناء الروح القومية للأمة حيث ربطت الثورة الفرنسية مفهوم الديمقراطية بالقومية وبناء الأمة، وهو ما قامت به من خلال قمع الهويات الفرعية، ولكن قمع الهويات الفرعية ليس الطريق الوحيدة لبناء روح قومية فقد قدمت دول اخرى كإسبانيا وبلجيكا نموذجًا مختلفًا لبناء هوية قوية جامعة لمكونات مختلفة. ولكن بشارة كان يأمل في هذا الكتاب أن تقوم الثورة في العالم العربي بتذويب الخلافات العرقية والطائفية في العالم العربي، لكن نبوءاته لم تتحقق كما نعلم ولأسباب نستطيع استعاره مقاربة فالح عبدالجبار في كتابه الدولة للإجابة عليها.

ففي رأي عبدالجبار فإن الدولة العربية الحديثة قصدًا وبدون قصد كرست الخلافات العرقية والطائفية وحكمت من خلالها، فبالتالي عندما زالت القبضة الحديدية للاستبداد وجدت مكونات المجتمع أنفسها في حالة عداء واستقطاب شديدة أدت إلى الاحتراب الأهلي الذي شهدناه في ليبيا، وسوريا، والعراق واليمن.

الحالة الثورية ومآلات الثورة

الحالة الثورية هي النقطة الحرجة التي تسبق الثورة وهي تتصف بصفات ثلاثة بحسب التنظير اللينيني:

1- بلوغ درجة يستحيل على النظام القائم فيها الاستمرار في الحكم دون تغيير عميق.

2- وصول معاناة الطبقات المضطهدة إلى حدود استثنائية، وهنا يفصل بشارة بين المعاناة والوعي بها وبأسبابها من استبداد وفساد وابنها ليست نتيجة ظروف طبيعية، ويستشهد بتأكيد هيجل على إن الوعي بإبعاد وأسباب المعاناة هو أهم معركة تخوضها القوى الثورية.

3- ازدياد نشاط الطبقات المضطهدة من حيث الكم والكيف.

وتبقى مآلات الثورة برأي بشارة محصورة في ثلاث سيناريوهات؛ تبعًا للظروف الداخلية والخارجية أولها شق الطبقة الحاكمة واختراق النظام، فإما أن ينهار في حال وافقت حالة الغضب الشعبي انقسامًا في الطبقة الحاكمة كما في المثال المصري مع أزمة التوريث، أو أن يبدأ النظام فصلًا جديدًا في الإصلاح، ثاني الخيارات هو استمرار التغييرات تحت وقع الاحتجاجات في سجال ينتهي بتغير النظام، وثالث هذه الاحتمالات هو التدخل الخارجي تحت مختلف المسميات والدعاوى وهو السيناريو الذي يحمل في طياته تبعات خطيرة شهدنا أثرها في الحالة السورية والليبية وقبلهما العراقية في هذا السيناريو تبقى الطبقة الحاكمة متماسكة ومتمسكة بالحكم وغير قابلة للتفاوض.

بالطبع فإن كتاب بشارة وإن أشار إلى ارتدادات الثورة المضادة في الثورات الأوروبية، وعلى رأسها الثورة الفرنسية، فإنه لم يتنبأ بالثورة المضادة في العالم العربي التي قادها النظام العربي المحافظ، ولكن بشارة يخبرنا بأن الثورة المضادة داخليًا وخارجيًا هي جزء طبيعي من الثورة، فالنظام العالمي اليوم متداخل المصالح والاهتمامات، ولا يمكن تصور قيام ثورة دون انتصار أطراف خارجية لمصالحها المهددة.

بقيت نقطه مهمة وهي وصف الربيع العربي بالمؤامرة بالنظر للسرعة التي انتشر بها وكأنه تفجير متسلسل باستخدام متفجرات تفعل عن بعد، بالطبع فإن الغرب والعدو الصهيوني هي جهات متهمة جاهزة، ولا جدوى هنا من محاولة البحث في أدلة وجود المؤامرة من عدمها، ولكننا نريد أن نصل لإجابة سؤال إمكانية انتقال الثورة بشكل طبيعي من دولة إلى أخرى، لهذا فإننا سنبحث عن الإجابة في الثورة الفرنسية، فمن المعلوم أن الثورة الفرنسية قد ولدت ارتدادات ثورية عديدة في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، بعض هذه الارتدادات كان مباشرًا والبعض احتاج عشرات السنوات، لكنها جميعًا يمكن إعادة جذوتها إلى الثورة الفرنسية والتغييرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي أحدثتها.

فمن هي الجهة التي نستطيع اتهامها إذًا بالوقوف وراء تفجير تلك السلسلة من الثورات، الواقع أن الثورة هي حالة معدية حتى للشعوب التي لم تنضج بها ظروف الثورة إلى الحد الكافي، ولكن الفشل هو النتيجة الغالبة في مثل هذه الحالة.

وفي النهاية

يبقى من الضروري القيام بالمزيد من المجهود التحليلي لتقييم الحالة الأردنية اليوم حتى نستطيع التنبؤ بمستقبل التحولات التي لابد قادمة، ما هي درجة تماسك النظام وخصوصًا في ظل تراجع مكتسبات الريع وسهولة تصور عدم إمكانية الحفاظ على الروابط الزبائنية بدونه؟ ما هي التحولات التي سيقوم بها النظام لحفظ توازنه؟ إلى اَي مدى يبلغ التململ الشعبي من الأوضاع الاقتصادية؟ وما هي المطالب الأكثر راهنية؟ ما هو مدى الوعي الشعبي بواقعه او خياراته المطروحة؟ كلها أسئلة تنتظر إجابة، ولكن ما آمله في نهاية هذا المقال أنه على الأقل ساهم في إلقاء الضوء على أدوات قراءة الوضع القائم وإزالة بعض التشوهات المفاهيمية التي تعيق تكوين تصور مشترك لدينا عن الثورة والقابلية للثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة, سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد